> ## Content Index
> Fetch the complete content index at: https://stories-in-arabic.ghost.io/llms.txt
> Use this file to discover other available public pages before exploring further.

# قِصّةُ الجُيوبِ الفارِغة
- URL: https://stories-in-arabic.ghost.io/the-empty-pockets/
- Published: 2026-09-14T16:11:31.000Z
- Updated: 2026-09-14T20:48:57.000Z
- Author: حكايات بالعربية

### قِصّةٌ عَنِ العَطاءِ والكَرامَةِ والأشياءِ الصّغيرةِ التّي تَصنَعُ فَرقًا كَبيرًا في حَياةِ الآَخَرينَ

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-1-2.jpg)

فِي آخِرِ زُقاقٍ ضَيِّقٍ، مُقابِلَ المَخبَزِ القَدِيمِ، وَبِجانِبِ الحائِطِ الَّذِي كانَ الأَطْفالُ يَرْسُمُونَ عَلَيْهِ الزُّهُورَ بِالطَّباشِيرِ، كانَ هُناكَ مَرْكَزٌ صَغِيرٌ لَهُ بابٌ مَعْدِنِيٌّ أَزْرَقُ.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-2.png)

وكانَ الأَطْفالُ يَأْتُونَ إِلى ذلِكَ المَرْكَزِ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ المَدْرَسَةِ.

بَعْضُهُمْ كانَ يَأْتِي لِأَنَّ فِي المَرْكَزِ كُتُبًا.

وَبَعْضُهُمْ كانَ يَأْتِي لِأَنَّ فِيهِ أَقْلامًا وَأَوْراقًا.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-3-1.png)

وَبَعْضُهُمْ كانَ يَأْتِي لِأَنَّهُ فِي الشِّتاءِ أَدْفَأُ مِنَ البَيْتِ،

وَفِي الصَّيْفِ أَبْرَدُ مِنَ الشَّارِعِ.

وَبَعْضُهُمْ كانَ يَأْتِي لِأَنَّهُ، داخِلَ تِلْكَ الغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ،

لا أَحَدَ يَصْرُخُ فِي وَجْهِهِ قائِلًا:

"ابْتَعِدْ، اسْكُتْ، كُفَّ عَنِ السُّؤالِ، أَوْ كُنْ كَبِيرًا قَبْلَ أَوانِكَ."!

فِي ذلِكَ المَرْكَزِ، كانَتْ هُناكَ مُعَلِّمَةٌ اسْمُها الآنِسَةُ لَطِيفَةُ.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-4.png)

لَمْ تَكُنِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِسُرْعَةٍ.

كانَتْ تَنْظُرُ إِلى الطِّفْلِ نَظْرَةً تُشْعِرُهُ وكَأَنَّها تَقُولُ لَهُ: "أَنا أَراكَ،

أَرى حَتّى الجُزْءَ الَّذِي تُحاوِلُ أَنْ تُخْفِيَهُ عَنِ النَّاسِ."

فِي ذلِكَ الخَمِيسِ، كانَ الأَطْفالُ مُجْتَمِعِينَ فِي الغُرْفَةِ، يَصْنَعُونَ عَصافِيرَ مِنْ وَرَقِ المَجَلّاتِ القَدِيمَةِ.

كانَ كُلُّ طِفْلٍ يَبْحَثُ عَنْ لَوْنٍ يُزَيِّنُ بِهِ عُصْفُورَهُ:

أَزْرَقَ يُشْبِهُ السَّماءَ،

وَأَخْضَرَ كَأَشْجارِ الزَّيْتُونِ،

وَأَصْفَرَ كَالشَّمْسِ،

وَأَحْمَرَ كَالزُّهُورِ البَرِّيَّةِ الَّتِي تَنْبُتُ أَحْيانًا بَيْنَ الحِجارَةِ.

كانَ عُمَرُ - وَهُوَ طِفْلٌ فِي الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ - يُحِبُّ أَنْ يَتَصَرَّفَ كَأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ سِنِّهِ،

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-5.png)

يَطْوِي عُصْفُورَهُ بِسُرْعَةٍ، وَيَضْغَطُ عَلى الوَرَقِ بِقَسْوَةٍ.

قالَتْ لَهُ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ: "عَلى مَهْلِكَ يا عُمَرُ."!

فَأَجابَها قائِلًا: "إِنَّهُ مُجَرَّدُ وَرَقٍ"!

ابْتَسَمَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ وَقالَتْ:

"حَتّى الوَرَقُ يَتَذَكَّرُ أَحْيانًا كَيْفَ لَمَسْناهُ"!

رَفَعَ عُمَرُ عَيْنَيْهِ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ لَمْ يَقْتَنِعْ بِكَلامِها،

لَكِنَّ أَصابِعَهُ صارَتْ أَخَفَّ عَلى الوَرَقِ من ذي قَبْل.

وكانَتْ لَيَانُ جالِسَةً بِجانِبِهِ تُحاوِلُ أَنْ تَطْوِيَ جَناحًا صَغِيرًا،

لَكِنَّ الوَرَقَةَ كانَتْ تُفْلِتُ مِنْ يَدِها كُلَّ مَرَّةٍ.

ساعَدَها نادِرٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا.

وَعَلى الطَّرَفِ الآخَرِ، كانَ طارِقٌ يَجْعَلُ عُصْفُورَهُ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ رَقِيقٍ خافِتٍ، وَكانَ الأَطْفالُ يَضْحَكُونَ.

وَفَجْأَةً، فُتِحَ البابُ المَعْدِنِيُّ الأَزْرَقُ، ووَقَفَ صَبِيٌّ عِنْدَ البابِ.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-6-1.png)

كانَ ولدًا صَغِيرًا، رُبَّما فِي السَّابِعَةِ أَوِ الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِهِ،

حِذاؤُهُ مُغْبَرٌّ، وَقَمِيصُ المَدْرَسَةِ واسِعٌ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ اللّازِمِ.

رَفَعَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ رَأْسَها وَقالَتْ: "تَعالَ يا يَزَنُ. اُدْخُلْ."

دَخَلَ الصَّبِيُّ بِخُطُواتٍ بَطِيئَةٍ.

كانَ الجَمِيعُ يَعْرِفُونَ يَزَنَ،

فأُخْتُهُ الكُبْرى مَرْيَمُ كانَتْ تَأْتِي أَحْيانًا إِلى المَرْكَزِ.

وأُمُّهُ كانَت تُنَظِّفُ البُيُوتَ وتَأتي لَتَنظِيفِ المَركَزِ أحْيانًا،

أَمّا أَبُوهُ فلَمْ يَكُنْ يَعْمَلُ مُنْذُ شُهُورٍ طَوِيلَةٍ.

وكانَ يَزَنُ وَلَدًا هادِئًا، لا يَبْتَسِمُ بِسُهُولَةٍ، إِلّا فِي اللَّحَظاتِ القَلِيلَةِ الَّتِي يَشْعُرُ فِيها بِالأَمانِ وَيَنْسى هُمُومَهُ.

لَكِنَّهُ اليَوْمَ لَمْ يَكُنْ يَبْتَسِمُ.

وَقَفَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ وَسَأَلَتْهُ: "ماذا حَدَثَ؟"

نَظَرَ يَزَنُ إِلى الأَرْضِ.

تَحَرَّكَتْ شَفَتاهُ، لَكِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُما صَوْتٌ.

لَمْ تَسْتَعْجِلْهُ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ.

وَبَعْدَ لَحَظاتٍ، هَمَسَ قائِلًا:

"المُعَلِّمُ قالَ إِنَّنِي لا أَسْتَطِيعُ أَنْ آتِيَ يَوْمَ الأَحَدِ مِنْ غَيْرِ حَقِيبَتِي."

سَأَلَتْهُ لَيَانُ: "ماذا حَدَثَ لِحَقِيبَتِكَ؟".. احْمَرَّ وَجْهُ يَزَنَ، وهَزَّ كَتِفَيْهِ.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-7-1.png)

قالَ طارِقٌ: "هَلْ سَرَقَها أَحَدٌ؟"

هَزَّ يَزَنُ رَأْسَهُ قائِلًا: "لا".

سَأَلَهُ نادِرٌ: "هَلْ أَضَعْتَها؟"

هَزَّ رَأْسَهُ مَرَّةً أُخْرى قائِلًا: "لا".

اقْتَرَبَتْ مِنْهُ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ، وَجَلَسَتْ عَلى رُكْبَتَيْها أَمامَهُ، وَقالَتْ بِهُدُوءٍ: "يَزَنُ، بِإِمكانِكَ أَنْ تُحَدِّثَنا عَمّا حَدَثَ مَعَكَ."

ابْتَلَعَ يَزَنُ رِيقَهُ، ثُمَّ قالَ: "حَقِيبَتِي تَمَزَّقَتْ مِنَ الأَسْفَلِ، وسَقَطَ كُلُّ ما فيها فِي الشَّارِعِ.

الدَّفاتِرُ اتَّسَخَتْ، وَالأَقْلامُ انْكَسَرَتْ، وَالمُعَلِّمُ قالَ إِنَّنِي أَحْتاجُ إِلى حَقِيبَةٍ جَيِّدَةٍ وَدَفاتِرَ."

سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضافَ بِسُرْعَةٍ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُنْهِيَ كَلامَهُ قَبْلَ أَنْ يُشْفِقَ عَلَيْهِ أَحَدٌ: "أُمِّي قالَتْ إِنَّها سَتُحاوِلُ… لَكِنَّها بَكَتْ فِي المَطْبَخِ."

لَمْ يَضْحَكْ أَحَدٌ.

حَتّى طارِقٌ تَوَقَّفَ عَنْ تَحْرِيكِ عُصْفُورِهِ الوَرَقِيِّ.

مَسَحَ يَزَنُ إِحْدى عَيْنَيْهِ بِكُمِّ قَمِيصِهِ، كَأَنَّهُ غاضِبٌ مِنْ تِلْكَ الدَّمْعَةِ الَّتِي خَرَجَتْ رَغْمًا عَنْهُ، وَقالَ بِصَوْتٍ خافِتٍ: "أَنا لا أُرِيدُها أَنْ تَبْكِيَ."

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-8.png)

بَقِيَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ جالِسَةً أَمامَهُ.

وَلِلَحْظَةٍ، شَعَرَتِ الغُرْفَةُ وكَأَنَّها صارَتْ أَصْغَرَ بِكَثِيرٍ.

فَهِمَ الجَمِيعُ المُشْكِلَةَ.

حَقِيبَةُ المَدْرَسَةِ لَيْسَتْ جَبَلًا،

وَلَيْسَتْ بَيْتًا،

وَلَيْسَتْ فاتُورَةَ مُسْتَشْفًى،

لَكِنْ أَحْيانًا يَكُونُ الشَّيْءُ الصَّغِيرُ أهَمَّ بِكَثِيرٍ مِنْ بَعْضِ الأُمُورِ الكَبِيرَةِ، فَيُصْبِحُ هُوَ الشَّيْءَ الَّذِي يَجْعَلُ الأُمَّ تَبْكِي بِحُرْقَةٍ فِي المَطْبَخِ.

أَدارَ عُمَرُ وَجْهَهُ إِلى النَّاحِيَةِ الأُخْرى. كانَ يَكْرَهُ هذا الشُّعُورَ، أَيْ حِينَ يَدْخُلُ الحُزْنُ إِلى الغُرْفَةِ فَيَصِيرُ الجَمِيعُ حَذِرِينَ فَجْأَةً. يَكْرَهُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ بَعْضَ الأَطْفالِ لا يَمْلِكُونَ ما يَمْلِكُهُ غَيْرُهُمْ.

وَيَكْرَهُ، فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ هُوَ أَيْضًا لا يَمْلِكُ الكَثِيرَ.

فَماذا يُفْتَرَضُ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِكُلِّ هذا البُؤْس؟

وَقَفَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ ونَظَرَتْ إِلى الأَطْفالِ ثُمَّ قالَتْ:

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-9.png)

"يا أَوْلادُ، ضَعُوا أَيْدِيَكُمْ فِي جُيُوبِكُمْ."

نَظَرَ إِلَيْها الأَطْفالُ بِاسْتِغْرابٍ.

قالَ عُمَرُ: "ماذا؟"

قالَتْ: "ضَعُوا أَيْدِيَكُمْ فِي جُيُوبِكُمْ."

ضَحِكَ طارِقٌ ضِحْكَةً خَفِيفَةً وَقالَ:

"يا آنِسَةُ، نَحْنُ لا نَمْلِكُ أيَّ مالٍ!"

قالَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ: "أَنا لَمْ أَقُلْ إِنَّكُمْ تَمْلِكُونَ مالًا."

تَعَجَّبَ عُمَرُ قائِلًا: "إِذًا لِماذا نَضَعُ أَيْدِيَنا فِي جُيُوبِنا؟"

نَظَرَتْ إِلَيْهِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ بِحَنانٍ وَقالَتْ:

"لِأَنَّنا أَحْيانًا نُقَرِّرُ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ أَنَّنا لا نَمْلِكُ شَيْئًا."

لَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ فِي البِدايَةِ.

ثُمَّ مَدَّتْ لَيَانُ الصَّغِيرَةُ يَدَها إِلى جَيْبِ سُتْرَتِها وأَخْرَجَتْ مِمْحاةً صَغِيرَةً وَرْدِيَّةً مِنْ جِهَةٍ وَرَمادِيَّةً مِنَ الجِهَةِ الأُخْرى. كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً، لَكِنَّها ما زالَتْ صالِحَةً، وقالَتْ بِصَوْتٍ خافِتٍ: "أَنا عِنْدِي هذِهِ."

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-10-1.png)

وَضَعَ طارِقٌ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ، فَأَخْرَجَ كُرَتَيْنِ زُجاجِيَّتَيْنِ، وَغِطاءَ زُجاجَةٍ، وَقَلَمَ رَصاصٍ بِلا رَأْسٍ حادٍّ.

قالَ عُمَرُ: "هذا القَلَمُ لا يَنْفَعُ."

قالَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ: "يُمْكِنُ أَنْ نَبْرِيَهُ."

فَوَضَعَ طارِقٌ القَلَمَ فِي وَسَطِ الدَّائِرَةِ.

فَتَّشَ نادِرٌ فِي جَيْبَيْهِ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا. ضاقَ وَجْهُهُ، فَفَتَّشَ مَرَّةً أُخْرى، كَأَنَّ شَيْئًا قَدْ يَظْهَرُ فِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ.

ثُمَّ قالَ: "أَنا لا أَمْلِكُ شَيْئًا."

هَزَّتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ رَأْسَها بِرِفْقٍ وَقالَتْ: "رُبَّما جَيْبُكَ لَيْسَ فِي بِنْطالِكَ."

نَظَرَ إِلَيْها نادِرٌ حائِرًا.

فَوَضَعَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ يَدَها عَلى صَدْرِها وَقالَتْ: "أَحْيانًا يَكُونُ الجَيْبُ هُنا."

أَنْزَلَ نادِرٌ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ: "أَنا أَعْرِفُ كَيْفَ أُصْلِحُ الأَشْياءَ. إِذا أَحْضَرَ أَحَدٌ حَقِيبَةً قَدِيمَةً، فَرُبَّما أَسْتَطِيعُ أَنْ أَخِيطَها. جَدَّتِي عَلَّمَتْنِي بَعْضَ الخِياطةِ."

رَفَعَ يَزَنُ رَأْسَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ وَسَأَلَ: "أَتَعْرِفُ كَيْفَ تَخِيطُ حَقِيبَةً؟"

هَزَّ نادِرٌ كَتِفَيْهِ وَقالَ: "أَجَل، إِذا لَمْ يَكُنِ التَّمَزُّقُ كَبِيرًا جِدًّا."

قالَ يَزَنُ: "إِنَّهُ كَبِيرٌ جِدًّا." قالَ نادِرٌ: "إِذًا رُبَّما أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْعَلَهُ أَقَلَّ سُوءًا."

وَقَفَتْ مَرْيَمُ، أُخْتُ يَزَنَ، وَكانَتْ جالِسَةً قُرْبَ رُفُوفِ الكُتُبِ. كانَ وَجْهُها شاحِبًا، وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا حَتّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-11-1.png)

ثُمّ قالَتْ: "الحَقِيبَةُ عِنْدَنا فِي البَيْتِ، كُنْتُ سَأَرْمِيها."

قالَ نادِرٌ بِسُرْعَةٍ: "لا تَرْمِيها! أَحْضِرِيها!."

وَضَعَتْ لَيَانُ المِمْحاةَ بِجانِبِ القَلَمِ.

نَظَرَ طارِقٌ إِلى الكُرَتَيْنِ الزُّجاجِيَّتَيْنِ فِي يَدِهِ،

وَلِلْمَرَّةِ الأُولى لَمْ يَكُنْ يَمْزَحُ.

قالَ: "أَنا لا أَحْتاجُ إِلى الكُرَتَيْنِ مَعًا، لَكِنَّ الكُراتِ لا تُفِيدُ فِي المَدْرَسَةِ."

قالَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ: "قَدْ تُفِيدُ فِي الفَرَحِ."

فَكَّرَ طارِقٌ قَلِيلًا، ثُمَّ وَضَعَ كُرَةً زُجاجِيَّةً واحِدَةً فِي الوَسَطِ وَقالَ: "هذِهِ لِما بَعْدَ الواجِبِ."

ثُمَّ فَتَحَتْ هُدى حَقِيبَتَها بِهُدُوءٍ وأَخْرَجَتْ دَفْتَرًا.

لَمْ يَكُنْ دَفَْتَرًا جَدِيدًا، كانَتِ الصَّفَحاتُ الأُولى مَكْتُوبَةً، لَكِنَّ النِّصْفَ الثَّانِيَ مِنْهُ كانَ فارِغًا.

قالَتْ: "أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْزِعَ الصَّفَحاتِ المُسْتَعْمَلَةَ. وَالباقِي نَظِيفٌ."

كانَ عُمَرُ يُراقِبُها، وَشَعَرَ بِشَيْءٍ يَلْتَفُّ فِي داخِلِهِ.

كانَ لَديهِ فِي حَقِيبَتِهِ دَفْتَرٌ جَدِيدٌ، أَحْضَرَهُ لَهُ عَمُّهُ مِنَ المَدِينَةِ، غِلافُهُ أَحْمَرُ، وَصَفَحاتُهُ بَيْضاءُ، وَلَمْ يَكْتُبْ فِيهِ أَحَدٌ كَلِمَةً واحِدَةً.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-12.png)

كانَ عُمَرُ يُحِبُّ الدَّفاتِرَ الجَدِيدَةَ. كانَ يُحِبُّ

شُعُورَ الصَّفْحَةِ البَيْضاءِ قَبْلَ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْها الأَخْطاءُ.

لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ

يُعْطِيَهُ، شَعَرَ بِالخَجَلِ، وَلِأَنَّهُ شَعَرَ بِالخَجَلِ،

غَضِبَ. ثُمّ قالَ فَجْأَةً: "دَفْتَرٌ واحِدٌ لَنْ يَحُلَّ المُشْكِلَةَ."

نَظَرَتْ إِلَيْهِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ، لَكِنَّها لَمْ تُجِبْهُ.

وَضَعَتْ هُدى الدَّفْتَرَ فِي الوَسَطِ.

وَجَدَ طِفْلٌ آخَرُ مِبْراةً، وَوَجَدَتْ طِفْلَةٌ أُخْرى ثَلاثَةَ أَقْلامِ تَلْوِينٍ.

وَقالَتْ لَيَانُ إِنَّ عِنْدَها مَقْلَمَةً قَدِيمَةً فِي البَيْتِ،

إِذ لَمْ يَكُنْ أَخُوها يَسْتَعْمِلُها.

وَقالَ طارِقٌ إِنَّ ابْنَ عَمِّهِ عِنْدَهُ حَقائِبُ كَثِيرَةٌ،

ثُمَّ صَحَّحَ كَلامَهُ وَقالَ: "لَيْسَتْ كَثِيرَةً بِالضَّبْطِ… لَكِنْ رُبَّما عِنْدَهُ واحِدَةٌ لا يَسْتَعْمِلُها."

كانَتِ الأَشْياءُ فِي وَسَطِ الدَّائِرَةِ قَلِيلَةً جِدًّا.

مِمْحاةٌ واحِدَةٌ. قَلَمُ رَصاصٍ غَيْرُ مَبْرِيٍّ. نِصْفُ دَفْتَرٍ. مِبْراةٌ. ثَلاثَةُ أَقْلامِ تَلْوِينٍ. كُرَةٌ زُجاجِيَّةٌ زَرْقاءُ.

لَمْ تَكُنْ تَبْدُو وكَأَنَّها سَتَحُلُّ مُشْكِلَةَ يَزَنَ.

كانَتْ تَبْدُو كَأَشْياءَ صَغِيرَةٍ يُعْطِيها أَطْفالٌ لا يَمْلِكُونَ الكَثِيرَ، حِينَ يُطْلَبُ مِنْهُمْ أَنْ يُساعِدُوا.

نَظَرَ عُمَرُ إِلى تِلْكَ الأَشْياءِ الصَّغِيرَةِ، وَشَعَرَ بِحَرارَةٍ تَصْعَدُ فِي صَدْرِهِ

قالَ فَجْأَةً: "ما هذا؟ هذا لا شَيْءَ. هُوَ يَحْتاجُ إِلى حَقِيبَةٍ! يَحْتاجُ إِلى دَفاتِرَ وَقِرْطاسِيَّةٍ، إِنَّهُ يَحْتاجُ إِلى كُلِّ شَيْءٍ!"

سادَ الصَّمْتُ فِي الغُرْفَةِ، وَبَدَتْ مَلامِحُ الحُزْنِ تَرْتَسِمُ عَلى وَجْهِ يَزَنَ مِنْ جَدِيدٍ.

لَمْ تُوَبِّخِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ عُمَرَ، قالَتْ فَقَطْ: "أَنْتَ مُحِقٌّ، هذا لَيْسَ كافِيًا بَعْدُ."

قالَ عُمَرُ: "إِذًا لِماذا نَفْعَلُ هذا؟"

قالَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ: "لِأَنَّ هُناكَ فَرْقًا بَيْنَ: لَيْسَ كافِيًا بَعْدُ، وَبَيْنَ: لا شَيْءَ."

نَظَرَ عُمَرُ إِلى الأَرْضِ.

ثُمَّ تابَعَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ: "الإِنْسانُ الَّذِي يَقُولُ: لا أَمْلِكُ شَيْئًا، يُغْلِقُ يَدَهُ. أَمّا الإِنْسانُ الَّذِي يَقُولُ: لا أَعْرِفُ بَعْدُ ماذا أَمْلِكُ، فَإِنَّهُ يَفْتَحُها."

لَمْ يَقُلْ عُمَرُ شَيْئًا.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-13-1.png)

وبَعْدَ أَنْ عادَ الأَطْفالُ إِلى بُيُوتِهِمْ، مَشى عُمَرُ بِبُطْءٍ فِي الزُّقاقِ.

كانَتِ السَّماءُ تَمِيلُ إِلى اللَّوْنِ البَنَفْسَجِيِّ،

وكانَ المَخْبَزُ يُغْلِقُ أَبْوابَهُ، وكانَ رَجُلٌ يَحْمِلُ صَوانِيَ الخُبْزِ،

فيما كانَ صَبِيّانِ صَغِيرانِ يَرْكُضانِ خَلْفَ كُرَةِ قَدَمٍ شِبْهِ فارِغَةٍ مِنَ الهَواءِ.

ظَلَّ عُمَرُ يَرْكُلُ حَجَرًا صَغِيرًا طُوالَ الطَّرِيقِ إِلى البَيْتِ.

وَعَلى العَشاءِ لَمْ يَتَكَلَّمْ كَثِيرًا.

لاحَظَتْ أُمُّهُ ذلِكَ،

فَالأُمَّهاتُ غالِبًا يُلاحِظْنَ الأَشْياءَ الَّتِي يُحاوِلُ الأَطْفالُ إِخْفاءَها.

سَأَلَتْهُ: "ماذا بِكَ؟"

قالَ: "لا شَيْءَ."

وَضَعَتْ أُمُّهُ العَدَسَ فِي طَبَقِهِ وَقالَتْ: "هذا اللاشَيْءُ وَجْهُهُ ثَقِيلٌ اليَوْمَ."

لَمْ يَبْتَسِمْ عُمَرُ.

أَكَلَ مِلْعَقَتَيْنِ مِنَ الحَساءِ ثُمَّ تَوَقَّفَ وَقالَ: "يُوجَدُ وَلَدٌ فِي المَرْكَزِ تَمَزَّقَتْ حَقِيبَتُهُ المَدْرَسِيَّةُ. وَبَكَتْ أُمُّهُ لِأَنَّها لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَشْتَرِيَ لَهُ واحِدَةً جَدِيدَةً."

تَوَقَّفَتْ يَدُ أُمِّهِ فَوْقَ القِدْرِ، ثمّ سأَلَتْهُ: "ما اسْمُهُ؟"

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-14.png)

قالَ: "يَزَنُ."

هَزَّتْ أُمُّهُ رَأْسَها بِبُطْءٍ وَقالَتْ: "يَزَنُ شَقيقُ مَرْيَمَ؟"

نَظَرَ عُمَرُ إِلَيْها بِاسْتِغْرابٍ. "أَتَعْرِفِينَهُمْ؟"

قالَتْ: "أَعْرِفُ أُمَّهُ."

سَأَلَها عُمَرُ: "هَلْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَشْتَرِيَ لَهُ حَقِيبَةً؟"

ابْتَسَمَتْ أُمُّهُ اِبْتِسامَةً حَزِينَةً وَقالَتْ:

"يا ابْنِي، نَحْنُ أَيْضًا ليسَ لَدَيْنا ما يَكْفِي مِنَ

النُّقودِ".

شَعَرَ عُمَرُ بِالخَجَلِ مِنْ سُؤالِهِ.

قالَ بِسُرْعَةٍ: "أَعْرِفُ ذلِكَ، انْسي المَوْضُوعَ."

جَلَسَتْ أُمُّهُ أَمامَهُ وَقالَتْ: "أَنا لَمْ أَقُلْ انْسَ المَوْضُوعَ،

أنا فَقَط قُلْتُ إِنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَشْتَرِيَ واحِدَةً."

قالَ عُمَرُ: "هذا نَفْسُ الشَّيْءِ."

قالَتْ أُمُّهُ: "كَلّا، لَيْسَ نَفْسَ الشَّيْءِ."

بَعْدَ العَشاءِ، فَتَحَت والِدَةُ عُمَر الخزانَةَ القَرِيبَةَ مِنَ البابِ،

وَأَخْرَجَتْ حَقِيبَةً سَوْداءَ قَدِيمَةً. كانَتْ لِشَقيقِ عُمَرَ الأَكْبَرِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَطَّلَ سَحّابُها. كانَ قُماشُها مَلِيئًا بِالغُبارِ، وَأَحَدُ حِزامَيْها أَضْعَفَ مِنَ الآخَرِ.

قالَ عُمَرُ: "هذِهِ؟ إِنَّها مُهْتَرِئَةٌ."!

قالَتْ أُمُّهُ: "نَعَمْ. لَكِنَّها لَيْسَتْ غَيْرَ قابِلَةٍ لِلاسْتِخْدامِ."

لَمَسَ عُمَرُ السَّحّابَ وَقالَ: "نادِرٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخِيطَ، لَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصْلِحَ هذا."

قالَتْ أُمُّهُ: "رُبَّما يَسْتَطِيعُ أَبُو فادِي أَنْ يُصْلِحَ السَّحّاباتِ."

قالَ عُمَرُ: "أَبُو فادِي سَيَأخُذُ أجرًا مُقابِلَ تَصليحِها".

فَكَّرَتْ أُمُّهُ قَلِيلًا ثُمَّ ذَهَبَتْ إِلى عُلْبَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الصَّفِيحِ، كانَتْ تَحْفَظُ فِيها الأَزْرارَ وَالخُيُوطَ وَالدَّبابِيسَ وَالأَشْياءَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لا يَجُوزُ رَمْيُها لِأَنَّها قَدْ تَنْفَعُ يَوْمًا ما، ثُمّ أَخْرَجَتْ إِبْرَةً قَوِيَّةً وَخَيْطًا أَسْوَدَ.

وَقالَتْ: "نَسْتَطِيعُ عَلى الأَقَلِّ أَنْ نَغْسِلَها وَنَخِيطَ ما نَسْتَطِيعُ."

نَظَرَ عُمَرُ إِلى الحَقِيبَةِ. كانَتْ قَدِيمَةً، لَمْ تَكُنْ جَمِيلَةً، وَلَمْ تَكُنْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَفْتَخِرُ الطِّفْلُ بِحَمْلِهِ.

ثُمَّ تَذَكَّرَ يَزَنَ واقِفًا عِنْدَ البابِ الأَزْرَقِ، يُحاوِلُ أَلّا يَبْكِيَ.

فَسَأَلَ أُمَّهُ: "هَلْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجْعَلَها أَجْمَلَ؟"

نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ بِعِنايَةٍ وَقالَتْ: "رُبَّما."

ذَهَبَ عُمَرُ إِلى غُرْفَتِهِ وأَخْرَجَ الدَّفْتَرَ الأَحْمَرَ الجَدِيدَ.

أَمْسَكَهُ مُطّوَّلا بَيْنَ يَدَيْهِ.

ثُمَّ وَضَعَهُ بِجانِبِ الحَقِيبَةِ السَّوْداءِ القَدِيمَةِ.

رَأَتْهُ أُمُّهُ، لَكِنَّها لَمْ تَقُلْ شَيْئًا. أَحْيانًا حِينَ يُعْطِي الطِّفْلُ شَيْئًا بِصُعُوبَةٍ، مِنَ الأَفْضَلِ أَلّا نَمْدَحَهُ بِصَوْتٍ عالٍ. فَالمَدِيحُ الكَثِيرُ قَدْ يَجْعَلُهُ يَأْخُذُ عَطِيَّتَهُ إِلى نَفْسِهِ مِنْ جَدِيدٍ.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-15.png)

فِي اليَوْمِ التَّالِي، يَوْمَ الجُمُعَةِ، حَمَلَ عُمَرُ الحَقِيبَةَ القَدِيمَةَ إِلى المَرْكَزِ.

كانَ نادِرٌ قَدْ وَصَلَ قَبْلَهُ وَمَعَهُ إِبْرَةٌ مِنْ جَدَّتِهِ،

وَأَحْضَرَتْ هُدى الدَّفْتَرَ نِصْفَ الفارِغِ،

كَما أَحْضَرَتْ لَيَانُ المَقْلَمَةَ الزَّرْقاءَ القَدِيمَةَ،

وَكانَ فِي طَرَفِها شَقٌّ صَغِيرٌ.

أَمّا طارِقٌ فَلَمْ يُحْضِرْ شَيْئًا،

لَكِنَّهُ جاءَ بِخَبَرٍ جَميلٍ قائِلًا: "ابْنُ عَمِّي لَديهِ حَقِيبَةٌ!"

سَأَلَهُ عُمَرُ: "وَأَيْنَ المُشْكِلَةُ؟"

قالَ طارِقٌ: "عَلَيْها شِعارُ فَرِيقِ كُرَةِ قَدَمٍ."

سَأَلَهُ عُمَرُ: "أَيُّ فَرِيقٍ؟"

قالَ طارِقٌ اسْمَ الفَرِيقِ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ عُمَرَ وَقالَ: "هذِهِ مُشْكِلَةٌ فِعْلًا!"

ضَحِكَ الجَمِيعُ، حَتّى يَزَنُ، وَكانَتْ تِلْكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَضْحَكُ فِيها مُنْذُ جاءَ إِلى المَرْكَزِ يَوْمَ أَمْسِ.

وَصَلَتْ مَرْيَمُ وَهِيَ تَحْمِلُ الحَقِيبَةَ المُمَزَّقَةَ مِنَ البَيْتِ. وَحِينَ رَآها نادِرٌ، أَطْلَقَ صَفِيرًا خَفِيفًا.

قالَ: "كُنْتَ مُحِقًّا، إِنَّها سَيِّئَةٌ جِدًّا."

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-16.png)

اِحْمَرَّ وَجْهُ يَزَنَ خَجَلًا، فأَضافَ نادِرٌ بِسُرْعَةٍ:

"لَكِنَّنِي رَأَيْتُ أَسْوَأَ مِنْها."

لَمْ يَكُنْ هذا صَحِيحًا، لَكِنَّهُ كانَ كَلامًا جَيِّدًا.

وَضَعَ الأَطْفالُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى الطَّاوِلَةِ:

الحَقِيبَةَ السَّوْداءَ القَدِيمَةَ مِنْ بَيْتِ عُمَرَ.

الحَقِيبَةَ المُمَزَّقَةَ مِنْ بَيْتِ يَزَنَ.

المَقْلَمَةَ الزَّرْقاءَ مِنْ لَيَانَ.

نِصْفَ الدَّفْتَرِ مِنْ هُدى.

المِمْحاةَ والمِبْراةَ وقَلَمَ الرَّصاصِ الَّذِي صارَ مَبْرِيًّا

وأَقْلامَ التَّلْوِينِ

وَالدَّفْتَرَ الأَحْمَرَ الجَدِيدَ.

فِيما أَحْضَرَتْ لَهُمُ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ الشّايَ الدّافِئَ فِي كُؤُوسٍ صَغِيرَةٍ، وَتَرَكَتْهُمْ يَعْمَلُونَ.

خاطَ نادِرٌ أَحَدَ حِزامَيِ الحَقِيبَةِ السَّوْداءِ، وَمَسَحَ عُمَرُ الغُبارَ عَنْها بِقِطْعَةِ قُماشٍ مُبَلَّلَةٍ.

أَمّا هُدى فقَدْ نَزَعَتِ الصَّفَحاتِ المُسْتَعْمَلَةَ مِنْ دَفْتَرِها بِعِنايَةٍ، كَما زَيَّنَتْ لَيَانُ وَرَقَةً صَغِيرَةً وَكَتَبَتْ عَلَيْها اسْمَ يَزَنَ بِخَطٍّ جَمِيلٍ. وَكانَ طارِقٌ يُجَرِّبُ كُلَّ سَحّابٍ كَأَنَّهُ مُهَنْدِسٌ كَبِيرٌ.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-17-1.png)

بَقِيَتِ الحَقِيبَةُ السَّوْداءُ قَدِيمَةً، فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ واحِدًا مِنَ العَصافِيرِ الوَرَقِيَّةِ الَّتِي صَنَعُوها مِنَ المَجَلّاتِ القَدِيمَةِ - أَزْرَقَ وَأَخْضَرَ وَأَصْفَرَ وَأَحْمَرَ - وَقالَتْ: "هَلْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَضَعَ هذا عَلى الجَيْبِ الأَمامِيِّ؟"

قالَ عُمَرُ: "سَيَتَمَزَّقُ."

قالَتْ لَيَانُ: "أَسْتَطِيعُ أَنْ أُغَطِّيَهُ بِالشَّرِيطِ اللاصِقِ."

فَأَلْصَقُوا العُصْفُورَ الوَرَقِيَّ عَلى الجَيْبِ الأَمامِيِّ.

لَمْ يَجْعَلْ ذلِكَ الحَقِيبَةَ جَدِيدَةً،

لَكِنَّهُ جَعَلَها حَقِيبَتَهُ هُوَ.

وَحِينَ اِنْتَهَوْا من ذلك، وَقَفَ يَزَنُ أَمامَ الطَّاوِلَةِ وَنَظَرَ إِلى كُلِّ شَيْءٍ.

لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: "مِسْكِينٌ يَزَنُ."

وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: "نَحْنُ أَنْقَذْناكَ."

وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: "يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُمْتَنًّا لَنا."

قالَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ: "جَرِّبْها."

حَمَلَ يَزَنُ الحَقِيبَةَ عَلى كَتِفَيْهِ، وكانَ أَحَدُ الحِزامَيْنِ أَقْصَرَ قَلِيلًا مِنَ الآخَرِ. وَكانَ السَّحّابُ يَتَحَرَّكُ بصُعوبَةٍ، وَكانَ العُصْفُورُ الوَرَقِيُّ مائِلًا قَلِيلًا، لَكِنَّ الحَقِيبَةَ ظَهَرَت بمَظهَرٍ لا بَأسَ بِهِ بنِهايَةِ المَطافِ.

نَظَرَ يَزَنُ إِلى الدَّفْتَرِ الأَحْمَرِ، وَالمَقْلَمَةِ، وَالقَلَمِ المَبْرِيِّ، وَالمِمْحاةِ، وَأَقْلامِ التَّلْوِينِ، وَالكُرَةِ الزُّجاجِيَّةِ.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-18.png)

أَمْسَكَ الكُرَةَ الزُّجاجِيَّةَ وَسَأَلَ: "وَهذِهِ لِماذا؟"

رَفَعَ طارِقٌ ذَقْنَهُ بِفَخْرٍ وَقالَ: "هذِهِ لِما بَعْدَ الواجِبِ،

فَالإِنْسانُ لا يَعِيشُ بِالواجِباتِ وَحْدَها."

ضَحِكَ الجَمِيعُ بِصَوْتٍ عالٍ،

حَتّى الآنِسَةُ لَطِيفَةُ ضَحِكَتْ،

وَضَحِكَ يَزَنُ أَيْضًا.

ثُمَّ فَجْأَةً، رَكَضَ نَحْوَ مَرْيَمَ وَعانَقَها.

عانَقَتْهُ مَرْيَمُ بِقُوَّةٍ حَتّى انْحَنى العُصْفُورُ الوَرَقِيُّ عَلى الحَقِيبَةِ قَلِيلًا.

أَدارَ عُمَرُ وَجْهَهُ إِلى النَّاحِيَةِ الأُخْرى. كانَ يَشْعُرُ بِالخَجَلِ،

لَكِنْ لَيْسَ خَجَلًا مُؤْلِمًا. كانَ هُناكَ شَيْءٌ قَدِ فُتِحَ مِنْ

داخِلِ أَعْماقِهِ.

كانَ يَظُنُّ أَنَّ إِعْطاءَ الدَّفْتَرِ الأَحْمَرِ سَيَجْعَلُهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ فَقَدَهُ.

لَكِنَّهُ شَعَرَ بِشُعورٍ مُخْتَلِفٍ تَمامًا:

شَعَرَ وكَأَنَّ الدَّفْتَرَ صارَ أَكْبَرَ، كَأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ دَفْتَرَهُ وَحْدَهُ، بَلْ صارَ جُزْءًا مِنْ حِكايَةٍ سَيَظَلُّ يَتَذَكَّرُها.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-19-1.png)

وَفِي صَبِيحَةِ يَومِ الأَحَدِ، ذَهَبَ يَزَنُ إِلى المَدْرَسَةِ

حامِلًا الحَقِيبَةُ السَّوْداءُ عَلى كَتِفَيْهِ.

فِي البِدايَةِ، ضَحِكَ وَلَدانِ عِنْدَما رَأَيَاهُ يَحْمِلُ الحَقِيبَةَ. قالَ أَحَدُهُما: "ما هذا العُصْفُورُ؟"

شَدَّ يَزَنُ يَدَيْهِ عَلى حِزامَيِ الحَقِيبَةِ.

وَقَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، تَوَقَّفَ عُمَرُ، وَكانَ يَمُرُّ قُرْبَ بَوّابَةِ المَدْرَسَةِ، فقالَ: "هذا عُصْفُورٌ يَحْمِلُ الكُتُبَ."

نَظَرَ الوَلَدانِ إِلَيْهِ.

وَأَضافَ عُمَرُ: "وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ فَمٍ يَحْمِلُ كَلامًا سَخِيفًا!"

سَكَتَ الوَلَدانِ.

نَظَرَ يَزَنُ إِلى عُمَرَ بِعَيْنَيْنِ واسِعَتَيْنِ يَمْلَؤُهُما الشُّعورُ بالثِّقَةِ والأَمانِ.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-20-1.png)

هَزَّ عُمَرُ كَتِفَيْهِ وَقالَ: "اُدْخُلْ."  
وَفِي ذلِكَ العَصْرِ، حِينَ عادَ يَزَنُ إِلى المَرْكَزِ، كانَ يَبْتَسِمُ.

قالَ بِفَخْرٍ: "المُعَلِّمُ قالَ إِنَّ خَطِّي كانَ أَفْضَلَ اليَوْمَ."

قالَ طارِقٌ: "طَبْعًا، هذا بِسَبَبِ قَلَمِي."

قالَتْ هُدى: "لا، بِسَبَبِ دَفْتَرِي."

قالَتْ لَيَانُ: "لا، بِسَبَبِ مَقْلَمَتِي."

قالَ نادِرٌ: "لا، بِسَبَبِ الحَقِيبَةِ الَّتِي لَمْ تُسْقِطْ كُلَّ شَيْءٍ فِي الشَّارِعِ."

أَمّا عُمَرُ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.

مَشى يَزَنُ نَحْوَهُ، وَمَدَّ إِلَيْهِ الكُرَةَ الزُّجاجِيَّةَ الزَّرْقاءَ.

قالَ: "اِسْتَعْمَلْتُها بَعْدَ أَنْ أَنْهَيْتُ الواجِبَ البَيْتِيَّ، وَفُزْتُ مَرَّتَيْنِ." اِبْتَسَمَ عُمَرُ.

كانَتِ الآنِسَةُ لَطِيفَةُ تُراقِبُهُمْ مِنْ عِنْدِ البابِ.

عادَتِ الغُرْفَةُ صاخِبَةً بالفَرَحُ مِنْ جَدِيدٍ.

وعادَ الأَطْفال كَعادَتِهِمْ يَتَجادَلُونَ عَلى الأَلْوانِ، وَيَطْوُونَ الوَرَقَ، وَيَضْحَكُونَ، وَيَطْلُبُونَ الغِراءَ.

وَفِي الخارِجِ، فَالزُّقاقُ ما زالَ ضَيِّقًا، وَالجُدْرانُ ما زالَتْ مُتَشَقِّقَةً، وَالعالَمُ لَمْ يُصْبِحْ سَهْلًا فَجْأَةً.

![](https://storage.ghost.io/c/57/53/5753d6a6-5ab3-4747-b825-67b70da06218/content/images/2026/09/Picture-21.png)

لَكِنَّ شَيْئًا ما كانَ قَدْ تَغَيَّرَ بِداخِلِ الأَطْفالِ.

وَلَدٌ ظَنَّ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَجَدَ حَقِيبَةً قَدِيمَةً.

وَبِنْتٌ وَجَدَتْ نِصْفَ دَفْتَرٍ. وَطِفْلَةٌ أُخْرى وَجَدَتْ مِمْحاةً.

وَطِفْلٌ وَجَدَ قَلَمًا. وَآخَرُ وَجَدَ مَهارَةً فِي يَدَيْهِ.

وَآخَرُ وَجَدَ شَجاعَةً فِي فَمِهِ عِنْدَ بَوّابَةِ المَدْرَسَةِ.

وَمَعًا، صارَتْ أَشْياؤُهُمُ الصَّغِيرَةُ كافِيَةً.

لَيْسَتْ كافِيَةً لِإِصْلاحِ كُلِّ شَيْءٍ.

لَكِنَّها كانَتْ كافِيَةً لِتَحْمِلَ كُتُبَ وَلَدٍ واحِدٍ،

وَكافِيَةً لِتَمْنَعَ أُمًّا مِنَ البُكاءِ فِي المَطْبَخِ فِي ذلِكَ الأُسْبُوعِ، وَكافِيَةً لِتُعَلِّمَ الأَطْفالَ أَنَّ الجَيْبَ الفارِغَ لَيْسَ فارِغًا دائِمًا.

أَحْيانًا، حِينَ تَضَعُ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ، تَجِدُ قِطْعَةَ نُقُودٍ، وَأَحْيانًا تَجِدُ قَلَمًا.

وَأَحْيانًا لا تَجِدُ شَيْئًا أَبَدًا. لَكِنْ أَحْيانًا، إِذا فَتَّشْتَ بِعُمقٍ أكثَرَ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُ ذلِكَ الجُزْءَ مِنْكَ الَّذِي ما زالَ قادِرًا عَلى أَنْ يُعْطِيَ الآخَرِينَ بِسَخاءٍ.

[قصة الجيوب الفارغةهل تريد قراءة القصة على الورق؟ حمّل القصة واطبعها 📖\_قصة الجيوب الفارغة.pdf3 MBdownload-circle](https://stories-in-arabic.ghost.io/content/files/2026/09/%5F----------------------------------.pdf "Download")

**اقرأ قصة أخرى ←**