حِكاياتُ القُلوبِ الصَّغيرة

حكايات عربية للأطفال، تُقرأ بالقلب وتبقى في الذاكرة

الخُبْزُ قَبْلَ الضُّيُوفِ

الخُبْزُ قَبْلَ الضُّيُوفِ

فِي بَيْتٍ مُتَواضِعٍ غَيْرِ بَعِيدٍ عَنِ المَخْبَزِ القَدِيمِ، عِنْدَ طَرَفِ الزُّقاقِ الضَّيِّقِ، كانَتْ تَعِيشُ مَرْيَمُ مَعَ أُسْرَتِها.

كانَ عُمْرُ مَرْيَمَ أَحَدَ عَشَرَ عَامًا، وَكانَ لَها أَخٌ أَصْغَرُ يُدْعى يَزَنَ.

 لَمْ يَكُنْ بَيْتُهُمْ كَبِيرًا، وَلَمْ تَكُنْ أَحْوالُهُمُ المادِّيَّةُ سَهْلَةً دائِمًا؛

فَأُمُّ مَرْيَمَ كانَتْ تَعْمَلُ فِي تَنْظِيفِ البُيُوتِ،

وَأَبُوها لَمْ يَكُنْ يَجِدُ عَمَلًا مُنْتَظِمًا فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، كانَ بَيْتُهُمْ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي لا يَدْخُلُها ضَيْفٌ إِلّا وَوُضِعَ أَمامَهُ ما تَيَسَّرَ مِنْ قَهْوَةٍ وَخُبْزٍ وَطَعامٍ.

وكانَتْ لِمَرْيَمَ عادَةٌ جَمِيلَةٌ: كانَتْ تُلاحِظُ أَشْياءَ لا يُلاحِظُها الآخَرُونَ بِسُهُولَةٍ.

وفي عَصرِ أحدِ الأيَّام كانَ البَيْتُ كُلُّهُ فِي حَرَكَةٍ وَعَجَلَةٍ، فَهُناكَ ضُيُوفٌ قادِمُونَ لِزيارَتِهِم مِنْ بَلْدَةٍ أُخْرى قَبْلَ الغُرُوبِ، وعائِلَةُ مَريَمَ تَستعَدُّ لاستِقبالهِم وإكرامِهِم كالعادَة.

كانَتْ خالَةُ مَرْيَمَ قَدْ جاءَتْ لِتُساعِدَ أُخْتَها فِي التَّجهيزِ لاستِقبالِ الضُّيوُفِ، فالوَسائِدُ تُنْفَضُ فِي الفِناءِ، وَدَلَّةُ القَهْوَةِ النُّحاسِيَّةُ القَدِيمَةُ قَدْ لُمِّعَتْ حَتّى بَدَتْ كَأَنَّها أَجْدَدُ مِمّا هِيَ عَلَيْهِ، وَصِينِيَّةُ التَّمْرِ رُتِّبَتْ بِعِنايَةٍ، والطَّعامُ يُطبَخُ ويُعَدُّ بِنَفَسٍ طَيِّبٍ كَرِيمٍ.

وكانَ يَزَنُ يَحْمِلُ الوَسائِدَ الصَّغِيرَةَ مِنْ غُرْفَةٍ إِلى أُخْرى، وَيَتَوَقَّفُ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ لِيَمُدَّ يَدَهُ نَحْوَ صِينِيَّةِ التَّمْرِ، فَقالَتْ لَهُ خالَتُهُ لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ:

"يا يَزَنُ! هذِا التَّمرُ لِلضُّيُوفِ!" 

فَسَحَبَ يَدَهُ وَقالَ:

"أَنا فَقَطْ كُنْتُ أَتَأَكَّدُ أَنَّها لَذِيذة."

ضَحِكَتْ مَرْيَمُ، وَقالَتْ لَهُ: وَهَلْ تَحْتاجُ إِلى ثَلاثِ تَمَراتٍ لِتَتَأَكَّدَ؟"

رَفَعَ يَزَنُ كَتِفَيْهِ وَعادَ إِلى حَمْلِ الوَسائِدِ. وكانَتْ خالَةُ مَرْيَمَ تَقُولُ كُلَّ قَلِيلٍ: "أَسْرِعُوا! الضُّيُوفُ سَيَصِلُونَ قَبْلَ الغُرُوبِ."

حَمَلَتْ مَرْيَمُ الأَقْمِشَةَ المَطْوِيَّةَ مِنْ غُرْفَةٍ إِلى غُرْفَةٍ، وَجَلَبَتِ المَلاعِقَ وَالفَناجِينَ، وَمَسَحَتِ الطَّاوِلَةَ مَرَّتَيْنِ. كانَتْ مَريَمُ تُحِبُّ أَنْ تُساعِدَ أُمَّها، لَكِنَّها شَعَرَتْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ أَنَّ فِي البَيْتِ شَيْئًا غَرِيبًا قَلِيلًا. كانَ الجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِيما سَيَراهُ الضُّيُوفُ: هَلِ البَيْتُ مُرَتَّبٌ؟ هَلِ الفَناجِينُ نَظِيفَةٌ؟

هَلِ التَّمْرُ كافٍ؟ هَلْ سَيَقُولُ الضُّيُوفُ إِنَّ أَهْلَ البَيْتِ كُرَماءُ؟ وَبَيْنَما كانَتْ مَرْيَمُ تُراقِبُ كُلَّ ذَلِكَ، أَحَسَّتْ أَنَّ النَّاسَ قَدْ يَنْشَغِلُونَ أَحْيانًا بِأَنْ يَبْدُوا كُرَماءَ، حَتّى يَنْسَوْا أَنْ يَسْأَلُوا أَنْفُسَهُمْ: مَنْ يَحْتاجُ إِلَيْنا حَقًّا؟

كانَتْ أُمُّها قَدْ عادَتْ مِنْ عَمَلِها فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، وَأَخَذَتْ تُخْرِجُ أَرْغِفَةَ الخُبْزِ السَّاخِنَةَ مِنَ الفُرْنِ. امْتَلَأَ البَيْتُ بِرائِحَةِ الخُبْزِ الشّهِيّ.

اقْتَرَبَ يَزَنُ مِنَ الطَّاوِلَةِ، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ نَظْرَةً واحِدَةً.

قالَ: "لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا بَعْدُ!"

فَابْتَسَمَتْ، ثُمَّ أَخَذَتْ رَغِيفَيْنِ، وَلَفَّتْهُما فِي قِطْعَةِ قُماشٍ نَظِيفَةٍ، وَالْتَفَتَتْ إِلى مَرْيَمَ وقالَتْ لَها بِصَوْتٍ هادِئٍ:

"مَرْيَمُ، يا حَبِيبَتي، خُذِي هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ وَأَوْصِلِيهُما إِلى جارِتِنا أُمِّ خالِدٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الضُّيُوفُ."

نَظَرَتْ مَرْيَمُ إِلى الخُبْزِ، ثُمَّ إِلى الطَّاوِلَةِ، ثُمَّ إِلى أُمِّها،

وتَساءَلَت باستِغرابٍ: "الآنَ؟!"

قالَتْ أُمُّها: "نَعَمْ، الآنَ يا حَبِيبَتِي." سَمِعَتْ خالَتُها الكَلامَ، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِما وَقالَتْ: "الآنَ؟ وَالضُّيُوفُ فِي الطَّرِيقِ؟ أَلا يُمْكِنُ أَنْ تَنْتَظِرَ أُمُّ خالِدٍ إِلى المَساءِ؟"

لَمْ تَرْفَعْ أُمُّ مَرْيَمَ صَوْتَها وأجابَتْها بِهُدُوءٍ: "مَرَرْتُ بِبَيْتِها هذا الصَّباحَ وَأَنا ذاهِبَةٌ إِلى العَمَلِ. كانَتْ وَحْدَها، وَأدْرَكتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَدَيْها أيُّ خُبزٍ لِتَأكُلَهُ."

نَظَرَتْ أُمُّ مَريَمَ إِلى الأَرْغِفَةِ الباقِيَةِ وَقالَتْ:

"عِنْدَنا ما يَكْفِي لِلضُّيُوفِ. وَإِنِ انْتَظَرُوا دَقائِقَ قَلِيلَةً، فَلَنْ يَحْدُثَ لَهُمْ شَيْءٌ، أَمّا الجُوعُ، فَلا يَنْبَغِي أَنْ نَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَنْتَظِرَ."

سَكَتَتْ خالَتُها.

أَمّا مَرْيَمُ فَأَخَذَتِ الصُّرَّةَ بَيْنَ يَدَيْها.

سَأَلَها يَزَنُ:

"هَلْ أَذْهَبُ مَعَكِ؟"

قالَتْ أُمُّهُ: "ابْقَ هُنا وَساعِدْ خالَتَكَ. مَرْيَمُ سَتَعُودُ سَرِيعًا."

خَرَجَتْ مَرْيَمُ مِنَ البَيْتِ وَالخُبْزُ الدَّافِئُ بَيْنَ ذِراعَيْها.

كانَ ضَوْءُ السِّماءِ يَمِيلُ إِلى الذَّهَبِيِّ،

وَرائِحَةُ المَخْبَزِ القَدِيمِ تَمْلَأُ طَرَفَ الزُّقاقِ.

مَرَّتْ قُرْبَ الحائِطِ الَّذِي كانَ الأَطْفالُ يَرْسُمُونَ عَلَيْهِ الزُّهُورَ بِالطَّباشِيرِ، ثُمَّ تابَعَتْ طَرِيقَها نَحْوَ الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الحَيِّ.

وَبَيْنَما هِيَ تَمْشِي، رَأَتْها فَتاتانِ مِنْ بَناتِ الحَيِّ.

نادَتْها إِحْداهُما: "مَرْيَمُ! تَعالَيْ مَعَنا،

نُرِيدُ أَنْ نَقْطِفَ بَعْضَ الياسَمِينِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ ضُيُوفُكُمْ."

قالَتْ مَرْيَمُ: لا أَسْتَطِيعُ الآنَ، أَنا ذاهِبَةٌ بِالخُبْزِ إِلى أُمِّ خالِدٍ."

قالَتِ الفَتاةُ الأُخْرى:

"أُمُّ خالِدٍ؟ تِلْكَ الأَرْمَلَةُ العَجُوزُ؟ اِذْهَبِي إِلَيْها بَعْدَ الضُّيُوفِ."

وَضَحِكَتْ قَليلًا ثُمَّ قالَتْ:

"لا تَقْلَقي، لَنْ تَذْهَبَ إِلى أيٍّ مَكانٍ، وستَذْهَبُ مَعنا."

لَمْ تُجِبْها مَرْيَمُ.

وشَدَّتْ ذِراعَيْها حَوْلَ الخُبْزِ وَتابَعَتْ طَرِيقَها باتِّجاه

بيتِ أُّمِّ خالِد.

كانَتْ أُمُّ خالِدٍ تَسْكُنُ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ ومُتَواضِعٍ جِدًا في أَوَّلِ الحَيِّ.

كانَ جِدارُهُ الخارِجِيُّ مُتَشَقِّقًا، وَالنَّباتاتُ المُتَسَلِّقَةُ الَّتِي كانَتْ تَمْلَأُ جانِبَهُ فِي الرَّبِيعِ كانَ قَدْ يَبِسَ أَكْثَرُها.

طَرَقَتْ مَرْيَمُ البابَ، لَكِن لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ.

طَرَقَتْ مَرَّةً ثانِيَةً، أَهْدَأَ مِنَ الأُولى.

وَبَعْدَ لَحَظاتٍ، فُتِحَ البابُ بِبُطْءٍ.

وَقَفَتْ أُمُّ خالِدٍ وَهِيَ تَلُفُّ حَوْلَ كَتِفَيْها شالًا باهِتًا.

كانَ وَجْهُها شاحِبًا، وَبَدَتْ مُتْعَبَةً.

وَما إِنْ وَقَعَتْ عَيْناها عَلى الخُبْزِ حَتّى تَغَيَّرَ وَجْهُها.

امْتَلَأَتْ عَيْناها بِالدُّمُوعِ، فَأَدارَتْ وَجْهَها قَلِيلًا،

وكَأَنَّها لا تُرِيدُ لِمَرْيَمَ أَنْ تَراها.

قالَتْ بِصَوْتٍ خافِتٍ:

"لَمْ أُكُن أرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ الخُبْزَ مِنْ أَحَدٍ."

قالَتْ مَرْيَمُ بِسُرْعَةٍ: أَنْتِ لَمْ تَطْلُبِي، أُمِّي هِيَ الَّتِي أَرْسَلَتْهُ."

دَخَلَتْ مَرْيَمُ، وَوَضَعَتِ الخُبْزَ عَلى الطَّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ.

كانَتِ الغُرْفَةُ بارِدَةً نِسْبِيًّا.

جَرَّةُ الماءِ كانَ فِيها قَلِيلٌ مِنَ الماءِ، وَكان المَوْقِدُ مُطْفَئًا، وَلَمْ تَكُنْ فِي المَكانِ رائِحَةُ طَعامٍ أبَدًا.

نَظَرَتْ مَرْيَمُ إِلى أُمِّ خالِدٍ وَسَأَلَتْها: هَلْ أَكَلْتِ اليَوْمَ؟"

ابْتَسَمَتِ المَرْأَةُ العَجُوزُ ابْتِسامَةً خَجولَة، تِلكَ الابتِسامةُ الَّتِي يَبْتَسِمُها الإِنْسانُ حِينَ يُحاوِلُ أَنْ يَحْفَظَ كَرامَتَهُ، ثُمّ قالَتْ: "شَرِبْتُ شايًا."

فَهِمَتْ مَرْيَمُ ما لَمْ تَقُلْهُ أُمُّ خالِد،

لِذا لَمْ تَسْأَلْها مَزيدًا مِنَ الأَسْئِلَةِ،

وعِوَضًا عَن طَرحِ الأَسْئِلة أَخَذَتْ إِبْرِيقَ الماءِ الصَّغِيرَ،

وَوَضَعَتْ فِيهِ ما يَكْفِي لِكُوبَيْنِ مِنَ الشّايِ،

ثُمَّ أَشْعَلَتِ المَوْقِدَ.

فَقالَتْ أُمُّ خالِدٍ: "لا يا بِنْتِي، لا تُتْعِبِي نَفْسَكِ، فعِنْدَكُمْ ضُيُوفٌ."

قالَتْ مَرْيَمُ: "سَأَعُودُ بَعْدَ قَلِيلٍ."

ثُمَّ فَتَحَتِ القُماشَ عَنِ الخُبْزِ،

وخَرَجَتْ مِنْهُ رائِحَةٌ دافِئَةٌ مَلَأَتِ الغُرْفَةَ الصَّغِيرَةَ.

قَطَعَتْ مَرْيَمُ طَرَفَ رَغِيفٍ، وَوَضَعَتْهُ أَمامَ أُمِّ خالِدٍ، ثُمَّ صَبَّتْ لَها الشّايَ.

جَلَسَتِ المَرْأَةُ تُراقِبُها، وَيَداها تَرْتَجِفانِ قَلِيلًا فِي حِجْرِها.

ثُمَّ قالَتْ بَعْدَ لَحْظَةٍ:

"أَنْتِ فَتاةٌ طَيِّبَةٌ يا مَرْيَمُ، فِيكِ رَحْمَةُ وحَنانُ أُمِّكِ."

هَزَّتْ مَرْيَمُ رَأْسَها وَقالَتْ بِبَساطَةٍ:

"أُمِّي هِيَ الَّتِي تَذَكَّرَتْكِ، أَنا فَقَطْ حَمَلْتُ الخُبْزَ."

نَظَرَتْ إِلَيْها أُمُّ خالِدٍ وَقالَتْ: "يا بُنَيَّتِي، أن يَفتَقِدَك أحدٌ ما،

 ويَحمِلَ لَكَ بَعضَ الخُبْزِ، هُوَ كُلُّ ما تَحْتاجُهُ في بَعضِ الأحْيان".

لَمْ تَعْرِفْ مَرْيَمُ ماذا تُجِيبُ.

فَجَلَسَتْ مَعَها قَلِيلًا حَتّى أَكَلَتْ أُمُّ خالِدٍ بَعْضَ الخُبْزِ وَشَرِبَتْ الشَّايَ.

ثُمَّ وَقَفَتْ مَرْيَمُ وقالَتْ: "سَأَعودُ لِأَراكِ لاحِقًا."

قالَتْ أُمُّ خالِدٍ: "اذْهَبِي الآنَ يا بُنَيَّتي في أمانِ الله، ولا تَتَأَخَّري، فأَهْلُكِ سَيَقْلَقُونَ عَلَيْكِ."

خَرَجَتْ مَرْيَمُ وَأَغْلَقَتِ البابَ بِهُدُوءٍ.

وَحِينَ عادَتْ إِلى بَيْتِها، كانَ الضُّيُوفُ قَدْ وَصَلُوا.

كانَتِ الأَحْذِيَةُ مُصْطَفَّةً عِنْدَ المَدْخَلِ،

وَالأَصْواتُ تَمْلَأُ غُرْفَةَ الجُلُوسِ،

وَرائِحَةُ القَهْوَةِ وَالخُبْزِ تَنْتَشِرُ فِي البَيْتِ.

رَمَقَتْها خالَتُها بِنَظْرَةٍ سَرِيعَةٍ وَقالَتْ:

"لَقَد تَأَخَّرتِ كَثِيرًا!"

لَكِنَّ أُمَّها لَمْ تَسْأَلْها إِلّا عَن أمرٍ واحِدٍ: " هَلْ وَصَلَ الخُبْزُ إِلَيْها ساخِنًا؟"

هَزَّتْ مَرْيَمُ رَأْسَها قائِلًة: "نَعَمْ."

كانَ يَزَنُ واقِفًا قُرْبَها وَفِي يَدِهِ فِنْجانٌ فارِغٌ.

شَدَّ طَرَفَ كُمِّها وَهَمَسَ: "هَلْ أَكَلَتْ؟" نَظَرَتْ إِلَيْهِ مَرْيَمُ وأجابَتهُ: "نَعَمْ." فَابْتَسَمَ يَزَنُ، ثُمَّ رَكَضَ عائِدًا إِلى المَطْبَخِ.

وبَعْدَ أَنْ أَكَلَ الضُّيُوفُ وَمَدَحُوا الخُبْزَ وَالقَهْوَةَ، وَبَعْدَ أَنْ جُمِعَتِ الفَناجِينُ وَالأَطْباقُ الفارِغَةُ، وَأُغْلِقَ البابُ خَلْفَ آخِرِ زائِرٍ، غادَرَ الجَمِيعُ وعَمَّ الهُدُوءُ البَيْتَ.

كانَ يَزَنُ قَدْ نامَ، أَمّا أُمُّ مَرْيَمَ فَجَلَسَت إِلى جانِبِ ابْنَتِها.

قالَتْ: "هَلْ تَعْرِفِينَ ما هُوَ الكَرَمُ الحَقِيقِيُّ يا بُنَيَّتي؟"

فَكَّرَتْ مَرْيَمُ قَلِيلًا وقالَتْ: "أَنْ نُحْسِنَ اسْتِقْبالَ الضُّيُوفِ؟"

ابْتَسَمَتْ أُمُّها قائِلًة: "نَعَمْ، هذا جُزْءٌ مِنْهُ."

ثُمَّ تابَعَتْ: "لَكِنَّ الكَرَمَ لَيْسَ أَنْ نُعْطِيَ فَقَطْ حِينَ يَرانا النَّاسُ،

وَلا أَنْ نَضَعَ أَجْمَلَ ما عِنْدَنا أَمامَ مَنْ سَيَمْدَحُنا.

الكَرَمُ الحَقِيقيُّ يا بُنَيَّتي مَعناهُ أَنْ نَتَذَكَّرَ مَنْ لا يَتَذَكَّرُهُ أَحَدٌ."

ثُمَّ تابَعت قائِلَةً: "وَأَحْيانًا يَكُونُ أَهَمُّ ضَيْفٍ هُوَ الشَّخْصَ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَنا أَصْلًا."

ظَلَّتْ مَرْيَمُ صامِتَةً، لكنّها تَذَكَّرَت مَنظَر غُرْفَةَ أُمِّ خالِدٍ البارِدَةَ، وتَذَكَّرَتِ المَوْقِدَ غَيْرَ المُشْتَعِلِ،

وَتَذَكَّرَتْ كَيْفَ أَدارَتِ المَرْأَةُ وَجْهَها عِنْدَما رَأَتِ الخُبْزَ، وكََأَنَّ حاجَتَها إِلَيْهِ شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ تَخْجَلَ مِنْهُ.

ثُمَّ بَدَأَت مَرْيَمُ تَتَأَمَّلُ بَيْتِها وحالَها وحالَ والِدِها ووالِدَتِها.

كَانَ بَيتُها بَسِيطًا ومُتَواضِعًا، وأُمُّها كانَت تَعْمَلُ ساعاتٍ طَوِيلَةً. أمّا والِدُها فَكان يَبْحَثُ عَنْ عَمَلٍ كُلَّما انْقَطَعَ عَنْهُ العَمَلُ، وَكانَتْ هُناكَ أَشْياءُ كَثِيرَةٌ يَحْتاجُونَ إِلَيْها هُمْ أَيْضًا. وَمَعَ ذَلِكَ، كانَ هُناكَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ رَغِيفانِ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْتَغْنُوا عَنْهُما، وَكانَ هُناكَ شَخْصٌ آخَرُ بِحاجَةٍ ماسَّةٍ إِلى هَذا الرَّغِيفِ.

فَهِمَتْ مَرْيَمُ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ قَدْ فَهِمَتْهُ مِنْ قَبْلُ.

الكَرَمُ لا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الإِنْسانِ الكَثِيرُ.

وَلا يَعْنِي أَنْ يُعْطِيَ بَعْدَ أَنْ يَكْتَفِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

أَحْيانًا، يَبْدَأُ الكَرَمُ مِنْ سُؤالٍ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ:

"ماذا أَمْلِكُ الآنَ، وَمَنْ يَحْتاجُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنِّي؟"

فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، شَعَرَتْ مَرْيَمُ أَنَّها كَبِرَتْ قَلِيلًا.

لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ كَبِيرٌ.

لَمْ تَحْمِلْ مالًا كَثِيرًا.

وَلَمْ تُنْقِذْ حَياةَ أَحَدٍ.

حبَل َمَلَتْ رَغِيفَيْ خُبْزٍ مِنْ بَيْتٍ إِلى بَيْتٍ آخَرَ.

لَكِنَّها عَرَفَتْ مِنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ أَنَّ بَعْضَ الأَشْياءِ الصَّغِيرَةِ تَصِلُ إِلى الإِنْسانِ فِي الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ بِأَمَسِّ الحاجَةِ إِلَيْها.

وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، كُلَّما امْتَلَأَ البَيْتُ بِالزُّوّارِ، وَاصْطَفَّتِ الفَناجِينُ عَلى الطَّاوِلَةِ، وَانْشَغَلَ الجَمِيعُ بِإِظْهارِ أَجْمَلِ ما عِنْدَهُمْ، كانَتْ مَرْيَمُ تَتَذَكَّرُ بابًا آخَرَ عِنْدَ أوَّلِ الحَيِّ. بابًا لا يَقِفُ عِنْدَهُ ضُيُوفٌ، وَلا تَمْلَؤُهُ الأَصْواتُ وَالضَّحِكاتُ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ بِداخِلِه إِنْسانٌ يَنْتَظِرُ رَغِيفَ خُبْزٍ دافِئًا. وَفَهِمَتْ أَنَّ جَوْهَرَ الضِّيافَةِ لَيْسَ أَنْ يَرانا النَّاسُ كُرَماءَ، بَلْ أَلّا نَنْسى مَنْ قَدْ يَبْقى جائِعًا إِذا نَسِيَهُ الجَمِيعُ.

اقرأ قصة أخرى ←