الكِيسُ الَّذِي يَحْمِلُ اسْمَهَا

فِي بِدايَةِ كُلِّ شَهْرٍ، بَعْدَ الأُسْبوعِ الأَوَّلِ بِقَلِيلٍ، كانَتْ شاحِنَةٌ صَغيرَةٌ تَصِلُ مِنَ المِطْحَنَةِ إِلى الحَيِّ، مُحَمَّلَةً بِأَكْياسِ الطَّحينِ.
كانَتْ تَتَوَقَّفُ فِي السّاحَةِ الصَّغيرَةِ بِجانِبِ المَخْبَزِ القَديمِ،
في مَكانٍ قَرِيبٍ مِنَ المَرْكَزِ ذِي البابِ المَعْدِنِيِّ الأَزْرَقِ الَّذي كانَ الأَطْفالُ يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ المَدْرَسَةِ.

بَعْضُ أَكْياسِ الطَّحينِ كانَتْ عائِلاتٌ مِنَ الحَيِّ قَدِ اشْتَرَتْها مَعًا.
وَبَعْضُها كانَ ثَمَنُهُ قَدْ دُفِعَ مُسْبَقًا.
وَبَعْضُها كانَ يُوضَعُ جانِبًا بِهُدوءٍ لِعائِلاتٍ أَوْ أَشْخاصٍ
لا يَسْتَطيعُونَ دائِمًا أَنْ يَدْفَعُوا ثَمَنَهُ.
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَرْفَعُ صَوْتَهُ قائِلًا: "هذا لِفُلانٍ لِأَنَّهُ لا يَمْلِكُ مالًا."
كانَ الاِسْمُ يُكْتَبُ عَلى الكِيسِ، وَيَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ كِيسَهُ.
فَبَعْضُ المُساعَداتِ تَصِلُ إِلى الإِنْسانِ بِأَجْمَلِ صُورَةٍ
حِينَ لا تَجْعَلُهُ يَشْعُرُ أَنَّ أَعْيُنَ النّاسِ كُلَّها عَلَيْهِ.
وَكانَتْ هُدى تُحِبُّ يَوْمَ وُصولِ الطَّحينِ.
لَمْ تَكُنْ تُحِبُّ الغُبارَ الَّذي يَعْلَقُ بِالثِّيابِ، وَلا الضَّجيجَ، وَلا صَوْتَ الرِّجالِ وَهُمْ يَنادَوْنَ مِنْ جِهَةٍ إِلى أُخْرى، لَكِنَّها كانَتْ تُحِبُّ أَنْ تُراقِبَ مِن بَعِيد.
كانَتْ هُدى مِنَ الأَطْفالِ الَّذينَ يَرَوْنَ التَّفاصيلَ الصَّغيرَةَ.

تَنْتَبِهُ إِلى زِرٍّ ناقِصٍ فِي قَميصٍ.
وَإِلى شَقٍّ صَغيرٍ فِي غِلافِ دَفْتَرٍ.
وَإِلى قَلَمٍ يوشِكُ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ فَوْقِ الطّاوِلَةِ.
وَإِلى طِفْلٍ يَقُولُ إِنَّهُ بِخَيْرٍ، رَغمَ أَنَّ وَجْهَهُ قَد لا يوحِي بذلِكَ.
وكانَتْ تُحِبُّ الدَّفاتِرَ وَالأَقْلامَ أَيْضًا.
فِي حَقيبَتِها دَفْتَرٌ صَغيرٌ تَكْتُبُ فيهِ أَحْيانًا كَلِماتٍ تُعْجِبُها،
أَوْ تَرْسُمُ أَشْكالًا صَغيرَةً فِي الهَوامِشِ.
لَكِنَّ القِراءَةَ لَمْ تَكُنْ سَهْلَةً عَلَيْها.
كانَتْ تَقْرَأ، لَكِنْ بِبُطْءٍ.
أَحْيانًا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ كَلِمَةٍ يَقْرَؤُها غَيْرُها فِي لَحْظَةٍ.
وَأَحْيانًا تَخْتَلِطُ عَلَيْها الحُروفُ، فَتُعيدُ الكَلِمَةَ أكتَرَ مِن مَرَّةٍ حَتّى تَفْهَمَها، وكانَ هذا يُحْرِجُها كَثِيرًا أمامَ غَيْرِها.
فَإِذا طَلَبَ المُعَلِّمُ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ بِصَوْتٍ عالٍ،
كانَ قَلْبُها يَبْدَأُ بِالخَفَقانِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الدَّوْرُ إِلَيْها. وَمَعَ ذلِكَ، لَمْ تَكُنْ تَكْرَهُ الكَلِماتِ، بَلْ كانَتْ تُحِبُّها،
كَأَنَّها أَبْوابٌ تَعْرِفُ أَنَّها سَتَتَعَلَّمُ يَوْمًا كَيْفَ تَفْتَحُها بِسُهولَةٍ.

فِي ذلِكَ الصَّباحِ، كانَتْ أُمُّ هُدى واقِفَةً عِنْدَ البابِ تَتَحَدَّثُ مَعَ جارَةٍ.
وكانَتْ هُدى قَريبَةً مِنْهُما تُرَتِّبُ أَقْلامَها داخِلَ مَقْلَمَتِها.
قالَتْ أُمُّها لِلجاَرة: لا تَنْسَوْا كِيسَ أُمِّ رامي، قيلَ لي إِنَّهُ سَيَصِلُ اليَوْمَ."
قالَتِ الجارَةُ: "سَيَصِلُ إِنْ شاءَ اللهُ."
ثُمَّ خَفَضَتْ صَوْتَها وَقالَتْ:
"أُمُّ رامي لا تَطْلُبُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا."
هَزَّتْ أُمُّ هُدى رَأْسَها.
"أَعْرِفُ، وَلهذا يَجِبُ أَنْ نَتَأَكَّدَ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَيْها
مِنْ غَيْرِ أَنْ تَضْطَرَّ إِلى أَنْ تَسْأَلَ عَنْهُ."
كانَتْ أُمُّ رامي أَرْمَلَةً كَبيرَةً فِي السِّنِّ، وَكانَ ابْنُها رامي يَعْمَلُ فِي بَلْدَةٍ بَعيدةٍ، فَكانَتْ تَعيشُ وَحْدَها مُعْظَمَ الوَقْتِ فِي بَيْتٍ صَغيرٍ فِي أَحَدِ أَزِقَّةِ الحَيِّ.
وكانَتْ تَخيطُ الثِّيابَ لِبَعْضِ النِّساءِ، وَتُصْلِحُ الأَكْمامَ المُمَزَّقَةَ وَالحَوافَّ القَديمَةَ،
وَتَكْسِبُ مِنْ ذلِكَ ما تَسْتَطيعُ. وَإِذا عَرَضَ عَلَيْها أَحَدٌ مُساعَدَةً، كانَتْ تَقُولُ دائِمًا:
"الحَمْدُ للهِ، عِنْدي ما يَكْفيني"، حتّى فِي الأَيّامِ الَّتي لَمْ يَكُنْ عِنْدَها فيها ما يَكْفيها.
ومَعَ حُلولِ الظَّهِيرةِ وَصَلَتِ الشّاحِنَةُ.

وَخِلاَلَ دَقائِقَ مَعْدودَةٍ امْتَلَأَتِ السّاحَةُ بِالحَرَكَةِ.
رِجالٌ يُنْزِلونَ الأَكْياسَ،
وأَوْلادٌ كِبارٌ يَحْمِلونَ بَعْضَها إِلى البُيوتِ القَريبَةِ،
ونِساءٌ يَقِفْنَ عِنْدَ الأَبْوابِ.
وَصَوْتُ الأَكْياسِ الثَّقيلَةِ وَهِيَ تُوضَعُ عَلى الأَرْضِ:
هُبْ! هُبْ! هُبْ!
وَقَفَتْ هُدى قُرْبَ الجِدارِ، فِي المَكانِ الَّذي لا تُعَطِّلُ فيهِ أَحَدًا،
وَأَخَذَتْ تُراقِبُ مِنْ بَعِيد.
كانَ عَلى كُلِّ كِيسٍ اسْمٌ مَكْتوبٌ بِخَطٍّ عَريضٍ.
وكانَ أَحَدُ الرِّجالِ يَقْرَأُ الأَسْماءَ وَيُشيرُ:
"هذا لِأَبي فَوْزي."
"هذا إِلى آخِرِ الزُّقاقِ."
"وَهذا لِعائِلَةِ سَليم."

ثُمَّ أُنْزِلَ كِيسٌ آخَرُ فنَظَرَتْ إِلَيْهِ هُدى. كانَ فِي زاويَتِهِ رُقْعَةٌ مَخيطَةٌ بِخَيْطٍ أَسْوَدَ غامِقٍ، وَعِنْدَ أَسْفَلِهِ خَطٌّ أَزْرَقُ باهِتٌ يَمْتَدُّ مِنْ جِهَةٍ إِلى أُخْرى، فَكانَ الاِسْمُ مَكْتوبًا عَلى جَنْبِهِ، لَكِنَّ بَعْضَ الغُبارِ غَطّى الحُروفَ.
اقْتَرَبَتْ هُدى قَلِيلًا، مَرَّ أُصْبُعُها فِي الهَواءِ أَمامَ الحَرْفِ الأَوَّلِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَلْمَسَ الكِيسَ.
بَدأَت تَقْرَأُ: ر... را...رامي!
ثُمَّ سَمِعَتْ صَوْتَ أُمِّها فِي ذاكِرَتِها: "لا تَنْسَوْا كِيسَ أُمِّ رامي"
فَحَفِظَتْ هُدى شَكْلَ الكِيسِ فِي رَأْسِها.
الرُّقْعَةُ السَّوْداءُ.
الخَطُّ الأَزْرَقُ.
وَالحَرْفُ الأَوَّلُ المُنْحَني.
ثُمَّ تابَعَتْ مُراقَبَتَها.
بَعْدَ قَليلٍ، أَصْبَحَ كُلُّ شَيْءٍ أَسْرَعَ.
كانَ الرِّجالُ مُسْتَعْجِلينَ.
وكانَتِ الأَكْياسُ تَخِفُّ واحِدًا بَعْدَ آخَرَ.
وَرَأَتْ هُدى وَلَدًا مِنَ الأَوْلادِ الكِبارِ يَجُرُّ كِيسًا نَحْوَ بَيْتٍ
فِي الجِهَةِ الأُخْرى مِنَ السّاحَةِ، لَمْ تَنْتَبِهْ هُدى إِلَيْهِ فِي البِدايَةِ،
ثُمَّ لَمَحَتِ الرُّقْعَةَ السَّوْداءَ.

تَوَقَّفَتْ، ونَظَرَتْ إِلى أَسْفَلِ الكِيسِ، إلى الخَطُّ الأَزْرَقُ.
انقََبَضَ شَيْءٌ ما بِداخِلِها، فنادَتْ: "انْتَظِرْ!"
لَمْ يَسْمَعْها الوَلَدُ، أَوْ رُبَّما سَمِعَها وَلَمْ يَلْتَفِتْ. فَرَفَعَتْ صَوْتَها: "هذا الكِيسُ لَيْسَ لِذلِكَ البَيْتِ!"
تَوَقَّفَ الوَلَدُ وَالْتَفَتَ إِلَيْها قائِلًاَ: "ماذا؟"
أَشارَتْ هُدى إِلى الكِيسِ قائِلَةً: "هذا كِيسُ أُمِّ رامي"!
قالَ الوَلَدُ: "لا، قالوا لي إِِنَّهُ لِأُمِّ سامي"
ثُمَّ أَمسَكَ الحَبْلَ وبَدَأ يَجُرَّ الكِيسَ مِنْ جَديدٍ.
قالَتْ هُدى: "انْتَظِرْ! إِنَّهُ لِأُمِّ رامي."!

كانَ صَوْتُها أَعْلى هذِهِ المَرَّةَ.
فَالْتَفَتَ أَحَدُ الرِّجالِ قائِلًا: "ما الأَمْرُ؟"
قالَ الوَلَدُ: "هُدى تَقولُ إِنَّ الكِيسَ خَطَأٌ."
نَظَرَ الرَّجُلُ إِلى هُدى، ثُمَّ إِلى الكِيسِ.
وقالَ: "أَتَعْرِفينَ ماذا كُتِبَ عَلَيْهِ؟"
شَعَرَتْ هُدى بِالحَرارَةِ تَصْعَدُ إِلى وَجْهِها.
كانَتْ تَعْرِفُ هذا الشُّعورَ.
الشُّعورَ نَفْسَهُ الَّذي يَأتيها حِينَ يُقالُ:
"هُدى، اقْرَئي الفِقْرَةَ التّالِيَةَ"
تَجَمَّعَ عِدَّةُ أَوْلادٍ قُرْبَهُمْ.
قالَ الرَّجُلُ، مِنْ دونِ أن يَكونَ قاصِدًا ِإِحْراجِها:
"هَلْ قَرَأْتِ الاِسْمَ؟"
تَرَدَّدَتْ هُدى.
ثُمَّ قالَتْ:
"أَنا... أَقْرَأُ، لَكِنْ لَيْسَ بِسُرْعَةٍ."
ضَحِكَ الأَوْلادِ ضَحْكَة ساخَرَةً.
وَالخَطَّ الأَزْرَقَ.
وَتَذَكَّرَتْ أُمَّ رامي.
قالَتْ: "رَأَيْتُهُ حِينَ أُنْزِلَ مِنَ الشّاحِنَةِ."
وَتَقَدَّمَتْ خُطْوَةً وَقالَت:
"هُناكَ رُقْعَةٌ مَخيطَةٌ بِخَيْطٍ أَسْوَدَ عِنْدَ الزّاوِيَةِ،
وَهُناكَ خَطٌّ أَزْرَقُ فِي الأَسْفَلِ."
ثُمَّ أَشارَتْ إِلى الاِسْمِ وقَالَت: "وَالحَرْفُ الأَوَّلُ هُنا راءٌ، لَيْسَ سينًا."
سَكَتَ الرِّجالُ ثُمَّ انْحَنى أَحَدُهُمْ، وَمَسَحَ الغُبارَ عَنِ الكِيسِ بِرَاحَةِ يَدِهِ.

ظَهَرَ الاسْمُ أَوْضَحَ، فقَرَأَهُ بِصَوْتٍ عالٍ: "أُمُّ رامي".
تَوَقَّفَ الضَّحِكُ، وَأَنْزَلَ الوَلَدُ يَدَهُ عَنِ الحَبْلِ.
قالَ الرَّجُلُ: "كانَ سَيَذْهَبُ إِلى أُمِّ سامي."
ثُمَّ هَزَّ رَأْسَهُ قائِلًا: "الاسْمانِ مُتَشابِهانِ، وَنَحْنُ مُسْتَعْجِلونَ."
نَظَرَ إِلى هُدى وقالَ لها مادِحًا فِطنَتَها:
"أَحْسَنْتِ! لولا انتِباهُكِ لَما حَصَلَت أَمُّ رامي عَلى كيسِها."

رَفَعَ رَجُلٌ آخَرُ الكِيسَ عَلى ظَهْرِهِ وَقالَ لِلوَلَدِ:
"خُذْهُ إِلى بَيْتِ أُمِّ رامي."
تَنَفَّسَتْ هُدى الصَّعداء وبَدَأت مَلامِحُ الرّاحَة تَبدو على ملامِحِها.
ثُمَّ تَذَكَّرَتْ شَيْئًا، فقالَتْ لِلوَلَدِ الّذي يَجُرُّ الكِيس:
"انْتَظِرْ، لا تَتْرُكْ الكَيسَ عِنْدَ البابِ!"
تَساءَلَ الوَلَدُ: "لِماذا؟"
قالَتْ هُدى: "سَتَقولُ لَكَ أَنَّها تَسْتَطيعُ أَنْ تَحْمِلَهُ،
لكنَّها لا تَستطيعُ ذَلِكْ."
ضَحِكَ أَحَدُ الرِّجالِ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ضَحِكًا عَلى هُدى هذِهِ المَرَّةَ.
وقالَ لِلوَلَدِ: "أ سَمِعْتَ ما قالَت لَكْ؟ أَدْخِلِ الكِيسَ إلى داخِلِ بيتِ أُمِّ رامي." هَزَّ الوَلَدُ رَأْسَهُ قائِلًا: "حاضِر."
وَمَشى بِالكِيسِ فِي الطَّريقِ الصَّحيحِ. ظَلَّتْ هُدى تُراقِبُهُ حَتّى اخْتَفى فِي الزُّقاقِ.
ثُمَّ عادَتْ إِلى مَكانِها عِنْدَ الجِدارِ.
فِي ذلِكَ العَصْرِ، طُرِقَ بابُ بَيْتِ هُدى.
فَتَحَتْ أُمُّها، وكانَتْ أُمُّ رامي واقِفَةً عِنْدَ البابِ.
لَمْ تَكُنْ تَبْكي، لَكِنَّ عَيْنَيْها كانَتا تَلْمَعانِ.

قالَتْ: "أَيْنَ هُدى؟"
كانَتْ هُدى جالِسَةً إِلى الطّاوِلَةِ، وَدَفْتَرُها الصَّغيرُ أَمامَها.
قالَتْ أُمُّ رامي:
"أولادُ الحارَةِ اخبَرُوني بِما حَدَثَ."
"لَوْ وَصَلَ ذلِكَ الكِيسُ إِلى بَيْتٍ آخَرَ..."
سَكَتَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قالَت:"فلَن أَذْهَبَ لِأَطْلُبَهُ."
كانَتْ هُدى تَعْرِفُ ذلِكَ، وهذا هُوَ السَّبَبُ الَّذي جَعَلَها تَتَكَلَّمُ.
قالَتْ أُمُّ رامي:
"كانَ اسْمِي مَكْتوبًا عَلَيْهِ، وَمَعَ ذلِكَ كانَ يُمْكِنُ أَنْ يَضيعَ."
ثُمَّ ابْتَسَمَتْ لِهُدى.
"أَنْتِ حَفِظْتِهُ لِي."
قالَتْ هُدى بِسُرْعَةٍ: "أَنا فَقَطْ رَأَيْتُ الرُّقْعَةَ وَالخَطَّ الأَزْرَقَ."
قالَتْ أُمُّ رامي: "وَرَأَيْتِني أَيْضًا."
لَمْ تَفْهَمْ هُدى فِي البِدايَةِ.
فَقالَتِ أُمُّ رامي:
"لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَرَى كِيسًا يَتَذَكَّرُ الشَّخْصَ الَّذي يَنْتَظِرُهُ."
ثُمَّ وَضَعَتْ يَدَها عَلى كَتِفِها قائِلَةً: "شُكْرًا لَكِ يا بُنَيَّتي."
لَمْ تَقُلْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ.
وَلَمْ تَقُلْ لِهُدى إِنَّها بَطَلَةٌ.
وَلَمْ تَمْدَحْها مَدْحًا كَثيرًا.
ثُمَّ عادتْ إِلى بَيْتِها.

بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَتْ أُمُّ هُدى البابَ، عادَتْ إِلى ابْنَتِها.
قالَتْ: "هَلْ خِفتِ أَنْ يَضْحَكُوا عَلَيْكِ؟"
تَرَدَّدَتْ هُدى ثُمَّ قالَتْ: "أَجَلْ"
"وَهَلْ فَكَّرْتِ أَنْ تَسْكُتي؟"
هَزَّتْ هُدى رَأْسَها وقالَت: "أَجَل."
جَلَسَتْ أُمُّها قُرْبَها وسَأَلَتْها: "وَلِماذا لَمْ تَسْكُتي؟"
فَكَّرَتْ هُدى قَلِيلًا، ثُمَّ قالَتْ: "
لِأَنَّني كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهُ كِيسُها."
قالَتْ أُمُّها:"رَغْمَ أنَّكِ لَمْ تَقْرَئي الاِسْمَ كُلَّهُ بِسُرْعَةٍ؟"
نَظَرَتْ هُدى إِلى دَفْتَرِها: "نَعَمْ."
سَكَتَتْ أُمُّها لَحْظَةً، ثُمَّ قالَتْ:
يا بُنَيَّتي، القِراءَةُ مُهِمَّةٌ، وَسَتَتَحَسَّنينَ فيها يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ."
ثُمَّ أَشارَتْ إِلى عَيْنَيْ ابْنَتِها قائِلًة:
"لَكِنْ لا تَظُنّي أَنَّ الشَّيْءَ الَّذي ما زِلْتِ تَتَعَلَّمينَهُ
يُلْغي الأَشْياءَ الَّتي تُجيدينَها الآنَ."
لَمْ تَقُلْ هُدى شَيْئًا.
قالَتْ أُمُّها: "أَنْتِ رَأَيْتِ."
ثُمَّ أَشارَتْ إِلى أُذُنِها قائِلَة: "وَأَصْغَيْتِ."
ثُمَّ قالَتْ: "وَتَكَلَّمْتِ حِينَ كانَ الكَلامُ مُهِمًّا."
فِي ذلِكَ المَساءِ، جَلَسَتْ هُدى عِنْدَ البابِ.
كانَتِ الشَّمْسُ تَنْخَفِضُ خَلْفَ سُطوحِ البُيوتِ، وَكانَ آخِرُ ضَوْئِها يَلْمَعُ عَلى حِجارَةِ الزُّقاقِ.
فَتَحَتْ هُدى دَفْتَرَها الصَّغيرَ. تَذَكَّرَتِ الضَّحْكَةَ الَّتي سَمِعَتْها حِينَ قالَتْ إِنَّها لا تَقْرَأُ بِسُرْعَةٍ. ما زالَتْ تَكْرَهُ تِلْكَ الضَّحْكَةَ، وَما زالَتْ تَتَمَنّى لَوْ كانَتِ القِراءَةُ أَسْهَلَ عَلَيْها، لَكِنَّها لَمْ تَشْعُرْ هذِهِ المَرَّةَ أَنَّ القِراءَةَ والكِتابَةَ هي أمورٌ تَنقُصُها.

أَمْسَكَت هُدى بِقَلَمِها.
وَكَتَبَتْ بِبُطْءٍ: أُمُّ رامي
تَوَقَّفَتْ.
نَظَرَتْ إِلى الكَلِمَتَيْنِ.
ثُمَّ أَعادتْ كِتابَتَهُما مَرَّةً أُخْرى: أُمُّ رامي
كانَتِ الحُروفُ غَيْرَ مُتَساوِيَةٍ تَمامًا.
وَكانَ حَرْفُ الرّاءِ أَكْبَرَ مِمّا يَنْبَغي.
لَكِنَّها ابْتَسَمَتْ.
فِي ذلِكَ اليَوْمِ، لَمْ تَقْرَأْ هُدى أَسْرَعَ مِنَ الآخَرينَ.
وَلَمْ تَتَحَوَّلْ فَجْأَةً إِلى أَفْضَلِ طِفْلَةٍ فِي الصَّفِّ.
لَكِنَّها تَعَلَّمَتْ شَيْئًا آخَرَ:
أَنَّ الإِنْسانَ لا يَجِبُ أَنْ يَنْتَظِرَ حَتّى يُجيدَ كُلَّ شَيْءٍ، لِيَكونَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مُهِمٌّ يُقَدِّمُهُ.
فَقَدْ يَكونُ عِنْدَهُ نَظَرة ثاقِبَةٌ للأُمورِ، أَوْ ذاكِرَةٌ تَحْفَظُ، أَوْ قَلْبٌ يَفْهَمُ لِماذا يَصْمُتُ بَعْضُ النّاسِ رَغمَ أنَّهُم بأَمَسّ الحاجَة لِأبَسَطِ الأُمور. وقد يكونُ لَدَى الإِنسانِ صَوْتٌ يَرْتَجِفُ قَليلًا... وَمَعَ ذلِكَ يَتَكَلَّمُ. وَأَحْيانًا، يَكْفي أَنْ يَفْعَلَ شَخْصٌ واحِدٌ ذلِكَ، لِكَيْ لا يَضيعَ كِيسُ طَحينٍ فِي زُقاقٍ مُزْدَحِمٍ. وَلِكَيْ لا يَضيعَ مَعَهُ حَقُّ إِنْسانٍ كانَ سَيَخْجَلُ مِنْ أَنْ يَطْلُبَهُ.
اقرأ قصة أخرى ←