حِكاياتُ القُلوبِ الصَّغيرة

حكايات عربية للأطفال، تُقرأ بالقلب وتبقى في الذاكرة

الرِّسالَةُ المَخْتُومَةُ

الرِّسالَةُ المَخْتُومَةُ

فِي حَيٍّ صَغِيرٍ مِنْ بُيُوتٍ حَجَرِيَّةٍ وَأَزِقَّةٍ ضَيِّقَةٍ، كانَ يَعِيشُ صَبِيٌّ اسْمُهُ يَزَنُ.

كانَ طَيِّبَ القَلْبِ، سَريعَ الحَرَكَةِ وَالبَديهَةِ، وَإِذا وَضَعَ أَحَدٌ شَيْئًا فِي يَدَيْهِ حَمَلَهُ كَأَنَّهُ أَمانَةٌ.

لَكِنْ كانَ هُناكَ أَمْرٌ واحِدٌ يُؤَرِّقُ لَيْلَهُ كُلَّما تَحَدَّثَ النّاسُ عَنِ المَدْرَسَةِ:

كانَ لا يُجيدُ القِراءَةَ.

كانَتِ الحُروفُ تَتَحَرَّكُ أَمامَ عَيْنَيْهِ إِذا أَطالَ النَّظَرَ إِلَيْها.

أَحْيانًا يَعْرِفُ كَلِمَةً، وَأَحْيانًا يُخَمِّنُها تَخْمينًا.

وفي حين كانَ الأَوْلادُ يَقْرَؤونَ لافِتاتِ الدَّكاكينِ والرَّسائِلِ بِسُهولَةٍ،

كأَنَّ كُلَّ الأَبْوابِ فُتِحَتْ لَهُمْ بِلا مِفْتاحٍ.

أَمّا يَزَنُ، فَكانَتْ تِلْكَ الأَبْوابُ تَبْقى مُغْلَقَةً أَمامَهُ.

وَفِي عَصْرِ يَوْمٍ مِنَ الأَيّامِ، طَوَتْ أُمُّهُ وَرَقَةً صَغيرَةً،

ثُمَّ طَوَتْها مَرَّةً ثانِيَةً، وَخَتَمَتْها،

وَوَضَعَتْها فِي يَدِهِ وَقالَتْ لَهُ:

"خُذْ هذِهِ إِلى أُمِّ سَليمٍ، أَعْطِها فَقَطْ لِأُمِّ سَليمٍ وَحْدَها.

ولا تَتْرُكْها مَعَ أَحَدٍ غَيْرِها."

هَزَّ يَزَنُ رَأْسَهُ بِجِدِّيَّةٍ، ثُمَّ دَسَّ الرِّسالَةَ فِي الجَيْبِ الدّاخِلِيِّ مِنْ سُتْرَتِهِ، كَأَنَّهُ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ زُجاجٍ.

كانَ يَعْرِفُ أُمَّ سَليمٍ مِنْ وَجْهِها: امْرَأَةٌ نَحيلَةٌ، شَعْرُها الفِضِّيُّ تَخْتَبِئُ خُصْلاتُهُ دائِمًا تَحْتَ مِنْديلٍ داكِنٍ، وَتَسْكُنُ فِي الزِّقاقِ الثّاني قُرْبَ شَجَرَةِ التِّينِ.

وَفِي الطَّريقِ إِلَيْها، مَرَّ يَزَنُ بِجانِبِ دُكّانِ العَطّارِ أبي نادِرٍ. كانَ أَبو نادِرٍ واقِفًا عِنْدَ بابِ الدُّكّانِ، وَكانَ نادِرٌ مَعَهُ، يُساعِدُ أَباهُ بَيْنَ رُفوفِ المَرطَبَاناتِ وَأَكْياسِ الأَعْشابِ وَالتَّوابِلِ.

فَناداهُ أَبو نادِرٍ: "إِلى أَيْنَ أَنْتَ ذاهِبٌ يا يَزَنُ؟"

فَأجابَهُ: "إِلى أُمِّ سَليمٍ. أُمِّي طَلَبَتْ مِنِّي أَنْ أُوصِلَ لَها رِسالَةً".

قالَ أَبو نادِرٍ: "رِسالَةٌ؟ أَعْطِني إِيّاها، وَسَأُرْسِلُها مَعَ ابْني نادِرٍ،

فَلَرُبَّما يُلْهيكَ عَنْها أَمْرٌ ما فِي الطَّريقِ".

وَأَشارَ إِلى نادِرٍ الَّذي كانَ واقِفًا قَريبًا مِنْهُ.

هَزَّ يَزَنُ رَأْسَهُ وقالَ: "أُمِّي قالَتْ: إِلى أُمِّ سَليمٍ وَحْدَها"

نَظَرَ إِلَيْهِ العَطّارُ لَحْظَةً، كَأَنَّهُ يَمْتَحِنُهُ، ثُمَّ قالَ:

"وَهَلْ تَعْرِفُ أَصْلًا ما المَكْتوبُ فِي الرِّسالَةِ؟"

شَعَرَ يَزَنُ بِالحَرارَةِ تَصْعَدُ إِلى وَجْهِهِ،

وَقالَ بِصَوْتٍ خافِتٍ: "لا".

لَمْ يَضْحَكْ أَبو نادِرٍ، وَلَمْ يَضْحَكْ نادِرٌ.

قالَ أَبو نادِرٍ: "إِذَنْ كَيْفَ تَعْرِفُ أَنَّها مُهِمَّةٌ؟"

لَمْ يُجِبْ يَزَنُ فَوْرًا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلى الجَيْبِ الَّذي فِيهِ الرِّسالَةُ،

ثُمَّ قالَ بَعْدَ لَحْظَةٍ: "لِأَنَّها طَوَتْها مَرَّتَيْنِ، وَلِأَنَّها قالَتْ لِي أَلّا أَتْرُكَها مَعَ أَحَدٍ".

نَظَرَ إِلَيْهِ العَطّارُ قَليلًا، ثُمَّ أَشارَ لَهُ بِيَدِهِ أَنْ يَمْضِيَ. وَبَقِيَ نادِرٌ فِي الدُّكّانِ يُساعِدُ أَباهُ.

تابَعَ يَزَنُ طَريقَهُ فِي الزِّقاقِ، وَكانَتِ الرِّسالَةُ فِي جَيْبِهِ تَبْدو لَهُ أَثْقَلَ مِنْ وَزنِها بِكَثيرٍ.

وَعِنْدَ البِئْرِ، رَأى عُمَرَ وَطارِقًا وَهُدى وَلَيانَ قُرْبَ جِدارٍ حَجَرِيٍّ.

كانَ عُمَرُ وَطارِقٌ واقِفَيْنِ أَقْرَبَ إِلى الطَّريقِ، بَيْنَما كانَتْ هُدى وَلَيانُ قَريبَتَيْنِ مِنَ الجِدارِ.

لَمَحَ طارِقٌ يَزَنَ وَهُوَ يَمْشي، وَيَضَعُ يَدَهُ مِنْ حينٍ إِلى آخَرَ عَلى الجَيْبِ الدّاخِلِيِّ مِنْ سُتْرَتِهِ،

كَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ أَنَّ شَيْئًا ما زالَ فِي مَكانِهِ.

قالَ طارِقٌ بِفُضولٍ: "ماذا تَحْمِلُ فِي جَيْبِكَ يا يَزَنُ؟"

تَوَقَّفَ يَزَنُ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلى جَيْبِهِ، وَقالَ:

"شَيْءٌ ائْتَمَنَتْني أُمِّي عَلَيْهِ."

قالَ عُمَرُ: "وَما هذَا الشَّيْءُ المُهِمُّ؟"

لَمْ يُجِبْ يَزَنُ.

نَظَرَ طارِقٌ إِلى سُتْرَتِهِ، ثُمَّ قالَ: "أَهِيَ رِسالَةٌ؟"

تَرَدَّدَ يَزَنُ لَحْظَةً، ثُمَّ هَزَّ رَأْسَهُ قائِلًا: "نَعَمْ."

قالَ طارِقٌ: "إِذَنْ أَرِنا ماذا فِيها".

ضَمَّ يَزَنُ يَدَهُ إِلى سُتْرَتِهِ، وَقالَ: "لا، هذِهِ أَمانَةٌ".

قالَ عُمَرُ: "وَمَنْ قالَ إِنَّنا سَنَأْخُذُها؟ نُريدُ فَقَطْ أَنْ نَرى ماذا كُتِبَ فِيها."

نَظَرَ يَزَنُ إِلى عُمَرَ وَطارِقٍ لَحْظَةً. كانَتْ هُدى وَلَيانُ تَسْمَعانِ الحَديثَ، لَكِنَّهُما لَمْ تَقْتَرِبا مِنْهُ، وَلَمْ تَطْلُبا مِنْهُ الرِّسالَةَ.

قالَ يَزَنُ بِهُدوءٍ: "الرَّسائِلُ الَّتي يَأْتَمِنُنا النّاسُ عَلَيْها لا تُفْتَحُ فِي الطَّريقِ، وَلا يَقْرَؤُها كُلُّ مَنْ أَرادَ أَنْ يَعْرِفَ ما فِيها. نَحْنُ نَحْمِلُها إِلى الشَّخْصِ الَّذي أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ، وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذي يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَها."

نَظَرَ طارِقٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ قالَ بِشَيْءٍ مِنَ السُّخرِيَة: "وَهَلْ صِرْتَ حارِسَ الأَماناتِ يا يَزَنُ؟"

احْمَرَّ وَجْهُ يَزَنَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُخْرِجِ الرِّسالَةَ مِنْ جَيْبِهِ.

قالَ بِصَوْتٍ خافِتٍ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ إِصْرارًا ثابِتًا:

"أُمِّي ائْتَمَنَتْني عَلَيْها، وَهذا يَكْفيني".

سادَ الصَّمْتُ لَحْظَةً.

ثُمَّ قالَتْ هُدى بِهُدوءٍ: "إِذًا أَوْصِلْها."

وَنَظَرَتْ لَيانُ إِلَيْهِ وَقالَتْ: "سَنَكونُ هُنا عِنْدَما تَعودُ."

لَمْ يَقُلْ عُمَرُ شَيْئًا، وَلَمْ يُحاوِلْ طارِقٌ مَرَّةً أُخْرى.

فَتابَعَ يَزَنُ طَريقَهُ.

كانَتِ الرِّسالَةُ ما تَزالُ ثَقيلَةً فِي جَيْبِهِ،

لَكِنَّهُ صارَ يَفْهَمُ ثِقْلَها بِطَريقَةٍ أُخْرى.

لَمْ يَكُنْ ثِقْلَ الوَرَقِ، وَلا ثِقْلَ الكَلِماتِ المَكْتوبَةِ فيهِ،

بَلْ ثِقْلَ الأَمانَةِ الَّتي يَجِبُ أَنْ تَصِلَ كَما هِيَ: مُغْلَقَةً، مَحْفوظَةً، لا يَمَسُّها فُضولُ الطَّريقِ.

وَحينَ وَصَلَ إِلى الزِّقاقِ الثّاني، رَأى ثَلاثَ نِساءٍ يَتَحَدَّثْنَ قُرْبَ بابٍ بيتٍ حَجَرِيٍّ.

فَتَّشَ بِعَيْنَيْهِ بَيْنَ الوُجوهِ، ثُمَّ اِلْتَفَتَتْ إِحْداهُنَّ.

كانَتْ أُمَّ سَليمٍ.

عَرَفَها فَوْرًا. كانَت امْرَأَةٌ نَحيلَةٌ،

تَخْتَبِئُ خُصْلاتُ شَعْرِها الفِضِّيِّ تَحْتَ مِنْديلٍ داكِنٍ.

عَرَفَ وَجْهَها المُتْعَبَ،

وَالطَّريقَةَ الَّتي كانَتْ تَميلُ بِها قَليلًا إِلى الحائِطِ حينَ تَقِفُ،

وَأَوْراقَ التِّينِ الَّتي كانَتْ تَرْتَجِفُ فَوْقَ فِناءِ بَيْتِها.

تَقَدَّمَ نَحْوَها.

ثُمَّ فَتَحَ سُتْرَتَهُ، وَأَخْرَجَ الرِّسالَةَ مِنَ الجَيْبِ الدّاخِلِيِّ.

كانَتْ ما تَزالُ مَطْوِيَّةً وَمَخْتومَةً كَما أَعْطَتْهُ إِيّاها أُمُّهُ.

مَدَّها إِلَيْها قائِلًا: "تَفَضَّلي يا خالَةُ، هذِهِ لَكِ."

أَخَذَتْ أُمُّ سَليمٍ الرِّسالَةَ، وَشَكَرَتْ يَزَنَ عَلى جَلْبِها لَها.

وَما إِنْ رَأَتْ خَطَّ اليَدِ حَتّى تَغَيَّرَ وَجْهُها.

فَتَحَتْها بِسُرْعَةٍ، وَقَرَأَتِ السُّطورَ الأُولى، ثُمَّ وَضَعَتْ يَدَها عَلى فَمِها، وَامْتَلَأَتْ عَيْناها بِالدُّموعِ.

ثُمَّ هَمَسَتْ:

"أَخي كَتَبَ إِلَيَّ هذِهِ الرِّسالَةَ... بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً!"

سادَ الصَّمْتُ حَوْلَها.

لَمْ تَسْأَلِ النِّساءُ عَمّا كُتِبَ فِي الرِّسالَةِ.

وَضَعَتْ إِحْداهُنَّ يَدَها بِرِفْقٍ عَلى كَتِفِ أُمِّ سَليمٍ،

لِأَنَّ بَعْضَ الأَخْبارِ تُفْهَمُ مِنَ الوَجْهِ قَبْلَ أَنْ تُقالَ بِالكَلِماتِ.

ثُمَّ نَظَرَتْ أُمُّ سَليمٍ إِلى يَزَنَ بِعَيْنَيْنِ لامِعَتَيْنِ، وَقالَتْ لَهُ:

"هَلْ حاوَلَ أَحَدٌ أَنْ يَأْخُذَها مِنْكَ؟"

هَزَّ يَزَنُ رَأْسَهُ.

فَسَأَلَتْهُ: "وَأَنْتَ رَفَضْتَ؟"

قالَ: "أُمِّي قالَتْ لي خُذْها إِلى أُمِّ سَليمٍ وَحْدَها".

وَضَعَتْ أُمُّ سَليمٍ يَدَها عَلى رَأْسِهِ بِرِفْقٍ، وَقالَتْ:

"اسْمَعْ يا يَزَنُ، لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقْرَأُ الكَلِماتِ يَعْرِفُ كَيْفَ يَحْفَظُ أَمانَتَها. اليَوْمَ أنتَ حَفِظْتَ هذِهِ الرِّسالَةَ أَفْضَلَ مِمّا كانَ سَيَحْفَظُها كَثيرٌ مِنَ الكِبارِ".

عادَ يَزَنُ إِلى بَيْتِهِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ

يَمْشي مِشْيَةً مُخْتَلِفَةً.

كانَتِ الحُروفُ عَلى الجُدْرانِ ما تَزالُ صَعْبَةً،

وَكانَتِ الكَلِماتُ فِي الكُتُبِ ما تَزالُ تُفْلِتُ مِنْهُ

كَالعَصافيرِ السَّريعَةِ،

لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ شَيْئًا ما بِداخِلِه يجعَلهُ يَشعُرُ بالفَخرِ

لِأنّه أدّى الأمانَةَ لأَصْحابِها كَما يَجِب.

لَمْ يَكُنْ يَزَنُ يَعْرِفُ دائِمًا كَيْفَ يَقْرَأُ ما يُكْتَبُ،

لَكِنَّهُ عَرَفَ تَمامًا كَيْفَ يَحْفَظُ الأَمانَةَ.

اقرأ قصة أخرى ←