المِصْباحُ الصَّغِيرُ في آخِرِ الزُّقاقْ
قِصَّةٌ لِلأَطْفالِ عَنِ الأَمانَةِ، وَالنُّورِ، وَالخَيْرِ الصَّغيرِ الَّذي يَكْبُرُ في القُلُوبِ

في آخِرِ زُقاقٍ هادِئٍ، كانَتْ هُناكَ مَكْتَبَةٌ صَغِيرَةٌ ذاتُ بابٍ أَزْرَقَ، يَعْلوهُ مِصْباحٌ قَدِيمٌ.
لَمْ يَكُنِ المِصْباحُ كَبِيرًا، وَلَمْ يَكُنْ نُورُهُ قَوِيًّا، لَكِنَّ أَهْلَ الحَيِّ كانُوا يَقُولُونَ دائِمًا: "حِينَ يُضِيءُ هٰذا المِصْباحُ،
يَبْدو المَكانُ كُلُّهُ أَكْثَرَ دِفْئًا."

كانَ الأَطْفالُ يَمُرُّونَ مِنْ هُناكَ بَعْدَ المَدْرَسَةِ.
أَحْيانًا يَدْخُلُونَ إِلَى المَكْتَبَةِ،
وَأَحْيانًا يَقِفُونَ عِنْدَ البابِ يَتَأَمَّلُونَ الكُتُبَ
مِنْ خِلالِ الزُّجاجِ الصَّغيرِ.
كانَتْ صاحِبَةُ المَكْتَبَةِ امْرَأَةً طَيِّبَةً تُدْعَى أَمِينَةُ.
كانَتْ تَبِيعُ الكُتُبَ، وَتُعيرُ بَعْضَها لِأَطْفالِ الحَيِّ،
وَكانَت تَعْرِفُ أَسْماءَهُمْ واحِدًا واحِدًا: عُمَرَ، وَلَيَانَ، وَنادِرًا، وَطارِقًا، وَهُدى، وَمَرْيَمَ، وَيَزَنَ. وَكانَتْ تَعْرِفُ أَيْضًا ما يُحِبُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ. كانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ لَيَانَ تُحِبُّ القِصَصَ الَّتي فيها حَيَواناتٌ صَغيرَةٌ، وَأَنَّ نادِرًا يُحِبُّ الكُتُبَ الَّتي تُعَلِّمُهُ كَيْفَ تُصْلَحُ الأَشْياءُ، وَأَنَّ طارِقًا يُحِبُّ القِصَصَ المُضْحِكَةَ، وَأَنَّ هُدى تُحِبُّ الدَّفاتِرَ وَالأَقْلامَ. وَكانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ مَرْيَمَ تَخْتارُ لِيَزَنَ كُتُبًا صَغيرَةً، لِيَقْرَأَها بِبُطْءٍ وَهُدُوءٍ. أَمّا عُمَرُ، فَكانَتْ تَعْرِفُ أَنَّهُ يُحِبُّ كُتُبَ المُغامَراتِ، وَالسُّفُنِ، وَالبِحارِ البَعِيدَةِ.

كانَ عُمَرُ ذَكِيًّا سَريعَ الفَهْمِ، وَلَكِنَّ في طَبْعِهِ شَيْئًا مِنَ العَجَلَةِ.
فَإِذا أَحَبَّ شَيْئًا أَرادَهُ في الحالِ، وَإِذا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ، صارَتْ رَغْبَتُهُ فيهِ تَتَكَلَّمُ داخِلَهُ بِصَوْتٍ عالٍ.
وفي صَبِيحَةِ أَحَدِ الأَيّامِ، دَخَلَ عُمَرُ المَكْتَبَةَ.
كانَ البابُ مَفْتوحًا، وَلَكِنَّ أَمِينَةَ لَمْ تَكُنْ في الدّاخِلِ.
رُبَّما خَرَجَتْ لِتُسَلِّمَ كِتابًا لِجارَةٍ كَبِيرَةٍ في السِّنِّ،
أَوْ لِتُحْضِرَ شَيْئًا مِنْ دُكّانٍ قَريبٍ.
ناداها عُمَرُ بِصَوْتٍ خافِتٍ: "خالَةُ أَمِينَة؟"
لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ.
كانَتِ المَكْتَبَةُ هادِئَةً، والكُتُبُ مَصفُوفَةٌ عَلى الرُّفوفِ كَأَنَّها تَنْتَظِرُ مَنْ يَفْتَحُها،
وبَيْنَما رائِحَةُ الوَرَقِ القَديمِ تَمْلَأُ المَكانَ.
وَعَلى طاوِلَةٍ صَغيرَةٍ قُرْبَ البابِ، رَأى عُمَرُ صُنْدوقًا خَشَبِيًّا مَفْتوحًا.
اقْتَرَبَ عُمَرُ مِنَ الصُّندوقِ، وكانَ في داخِلِ الصُّنْدوقِ عَدَدٌ مِنَ القِطَعِ النَّقْدِيَّةِ، وَإِلى جانِبِها وَرَقَةٌ صَغيرَةٌ كُتِبَ عَلَيْها: "ما جُمِعَ لِإِصْلاحِ المِصْباحِ".

رَفَعَ عُمَرُ رَأْسَهُ وَنَظَرَ أعلى بابِ المَكْتَبة،
كانَ المِصْباحُ القَدِيمُ لا يَزالُ مُعَلَّقًا في الأَعلى،
لَكِنَّهُ كانَ مُطْفَئًا.
غَطّى الغُبارُ بَعْضَ زُجاجِهِ، وَلَمْ يكُنْ يُضِيءُ مُنْذُ أَيّامٍ.
قالَ عُمَرُ في نَفْسِهِ: "إِذًا هٰذِهِ النُّقودُ لِإِصْلاحِهِ".
ثُمَّ عادَ بِنَظَرِهِ إِلى الصُّنْدوقِ،
وَراحَ صَوْتٌ صَغيرٌ يَهْمِسُ في داخِلِهِ:
"ماذا سَيَحْدُثُ لَوْ أَخَذْتَ بَعْضًا مِنْ هٰذِهِ النُّقودِ؟
أَمِينَةُ لَيْسَتْ هُنا، وَلَنْ يَراني أَحَدٌ لَوْ أَخَذتُها".
حاوَلَ عُمَرُ أَنْ يَصْرِفَ نَظَرَهُ عَنِ الصُّنْدوقِ،
فَوَقَعَتْ عَيْناهُ عَلى الرَّفِّ المُقابِلِ.
هُناكَ، في الزّاوِيَةِ، كانَ هُناكَ كِتابٌ جَديدٌ ذُو غِلافٍ أَخْضَرَ،
عَلى غِلافِهِ سَفينَةٌ تَشُقُّ بَحْرًا لامِعًا، وَطُيُورٌ بَيْضاءُ تُحَلِّقُ فَوْقَ المَاءِ.
تَسَمَّرَ عُمَرُ في مَكانِهِ في حالةٍ مِنَ التّرَدُّدِ والحِيرةِ.

كانَ هٰذا هُوَ الكِتابَ الَّذي طالَما تَمَنّى أَنْ يَشتَرِيَهُ ويَقْرَأَهُ.
كانَ يَمُرُّ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ،
وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ وكَأَنَّهُ نافِذَةٌ تُفْتَحُ عَلى عالَمٍ بَعِيدٍ.
لَكِنَّ الكِتابَ كانَ مِنَ الكُتُبِ المَعْروضَةِ لِلْبَيْعِ،
وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ يَمْلِكُ ثَمَنَهُ.
قالَ في نَفْسِهِ:
"لا أَحَدَ يَراني، أَسْتَطيعُ أَنْ آخُذَهُ الآنَ، وَأُعيدَهُ بَعْدَ أَنْ أَقْرَأَهُ،
وَلَرُبَّما لَنْ تَنْتَبِهَ أَمِينَةُ أنّهُ مَفْقُودٌ أَصْلًا".
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الكِتابِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ قَلِيلًا،
وعادَتْ عَيْناهُ إِلى الصُّنْدوقِ.
ثُمَّ تَذَكَّر المِصْباحِ المُطْفَأ الّذي يَحتاجٌ لِإِصْلاحٍ.
وَعَادَ بِنَظَرِهِ إِلى الكِتابِ الأَخْضَرِ.
بَقِيَ واقِفًا في مَكانِهِ للَحَظاتٍ بَدَت طَويلَةً، لا يَسْمَعُ فيها إِلّا ما كانَ يَدورُ بِداخِلِهِ مُتَسائِلًا: ماذا أَفعَل؟!

خَرَجَ عُمَرُ مِنَ المَكْتَبَةِ، وَلَمْ يَأْخُذِ الكِتابَ، وَلَمْ يَمَسَّ النُّقودَ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مُرْتاحًا.
طَوالَ النَّهارِ، ظَلَّ الكِتابُ الأَخْضَرُ يَلْمَعُ في خَيالِهِ،
وَظَلَّ الصُّنْدوقُ الخَشَبِيُّ يَعُودُ إِلى ذِهْنِهِ كُلَّما حاوَلَ أَنْ يَنْساهُ.
وَعِنْدَ العَصْرِ، عادَ عُمَرُ إِلى البَيْتِ.
لاحَظَتْ والِدَتُهُ أَنَّهُ أَهْدَأُ مِنْ عادَتِهِ، فَسَأَلَتْهُ بِهُدُوءٍ:
"ما بِكَ يا عُمَرُ؟ أَراكَ شارِدَ الذِّهنْ!"
تَرَدَّدَ قَليلًا، ثُمَّ حَدَّثها عَمّا حَدَثَ في المَكْتَبَةِ،
وَعَنِ الصُّنْدوقِ، وَالكِتابِ الأَخْضَرِ،
وَعَنِ الفِكْرَةِ الَّتي دارَت في نَفْسِهِ.
اسْتَمَعَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ حَتّى أَتَمَّ كَلامَهُ، ثُمَّ قالَتْ بِهُدُوءٍ:
"وَما الَّذي تَرى أَنَّهُ الصَّوابُ يا عُمَرُ؟"
لَمْ يُجِبْها فَوْرًا.
دَخَلَ غُرْفَتَهُ، وَأَنْزَلَ مِنْ فَوْقِ الرَّفِّ حَصّالَتَهُ القَديمَةَ، ثُمَّ عادَ بِها إِلى الطّاوِلَةِ.
جَلَسَتْ أُمُّهُ إِلى جانِبِهِ في هُدوءٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُمْليَ عَلَيْهِ ما يَفْعَلُ.
كانَ يَجْمَعُ فيها نُقودًا صَغيرَةً لِيَشْتَرِيَ صَفّارَةً مُلَوَّنَةً مِنَ السُّوقِ. كانَ قَدْ رَآها مَرَّةً، وَأَعْجَبَهُ شَكْلُها وَصَوْتُها، وَقَرَّرَ أَنَّهُ سَيَجْمَعُ ثَمَنَها، حَتّى لَوِ اسْتَغْرَقَ ذٰلِكَ وَقْتًا طَويلًا.

فَتَحَ عَمَرٌ حَصّالَتَهُ وَأَخَذَ يُخْرِجُ القِطَعَ النَّقْدِيَّةَ واحِدَةً واحِدَةً.
عَدَّها بِبُطْءٍ،
ثُمَّ وَضَعَها كُلَّها في مِنْدِيلٍ صَغيرٍ.
لَمْ يَكُنِ المَبْلَغُ كَبيرًا.
لَكِنَّهُ كانَ كُلَّ ما جَمَعَهُ.
نَظَرَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ، وَرَأَتْ أَنَّهُ كانَ يَتَّخِذُ قَرارَهُ بِقَلْبِهِ قَبْلَ يَدِهِ،
فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، وَاكْتَفَتْ بِأَنْ وَضَعَتْ يَدَها بِرِفْقٍ عَلى كَتِفِهِ.
عادَ عُمَرُ إِلى المَكْتَبَةِ قَبْلَ الغُروبِ.
كانَتْ أَمِينَةُ واقِفَةً عِنْدَ البابِ، تَرْفَعُ رَأْسَها نَحْوَ المِصْباحِ القَدِيمِ.
كانَ الزُّقاقُ يَبْدَأُ يَغْرَقُ في عَتمَةٍ خَفيفٍة، وَالمِصْباحُ لا يَزالُ مُظْلِمًا.
قالَتْ أَمِينَةُ حِينَ رَأَتْهُ:
"آهٍ يا عُمَرُ... كُنْتُ أَرْجو أَنْ أُصْلِحَ المِصْباحَ هٰذا الأُسْبوعَ، لَكِنَّ المَبْلَغَ الَّذي جَمَعْتُهُ ما زالَ ناقِصًا."
لَمْ يَقُلْ عُمَرُ شَيْئًا في البِدايَةِ.
ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ، وَوَضَعَ فيها المِنْدِيلَ الصَّغيرَ.
نَظَرَتْ أَمِينَةُ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ قائِلَةً "ما هٰذا؟"

قالَ عُمَرُ بِصَوْتٍ هادِئٍ، وَهُوَ يَبْذُلُ جُهْدًا كَيْ لا يَرْتَجِفَ: "هٰذِهِ نُقودي. كُنْتُ أُوَفِّرُها لِشَيْءٍ أُحِبُّهُ. لَكِنَّني فَكَّرْتُ أَنَّ المِصْباحَ يُحِبُّهُ الجَميعُ. فَقَرَّرْتُ أَنْ أُعْطِيَكِ ما جَمَعْتُهُ، لِكَيْ تُصْلِحيهِ."
فَتَحَتْ أَمِينَةُ المِنْدِيلَ، وَنَظَرَتْ إِلى القِطَعِ الصَّغيرَةِ،
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلى عُمَرَ.
لَمْ تَقُلْ لَهُ: "أَنْتَ بَطَلٌ!"
وَلَمْ تَقُلْ لَهُ: "أَنْتَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِكَ!"،
قالَتْ فَقَطْ، بِصَوْتٍ دافِئٍ:
"هٰذِهِ نُقودٌ صَغيرَةٌ يا عُمَرُ، لَكِنَّ القَلْبَ الَّذي أَخْرَجَها لَيْسَ صَغيرًا."
أَنْزَلَ عُمَرُ عَيْنَيْهِ، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ في ذٰلِكَ اليَوْمِ،
شَعَرَ أَنَّ الشَّيْءَ الثَّقيلَ الَّذي كانَ رابِضًا في صَدْرِهِ بَدَأَ يَتَلاشى.
وفي اليَوْمِ التّالي، جاءَ الرَّجُلُ الَّذي يُصْلِحُ المَصابيحَ.
حَمَلَ سُلَّمًا طَويلًا، وَوَضَعَهُ أَمامَ البابِ الأَزْرَقِ.
وَقَفَ الأَطْفالُ قَريبًا يَنْظُرُونَ بِلَهْفَةٍ.
كانَ طارِقٌ يَتَخَيَّلُ أَنَّ السُّلَّمَ سُلَّمُ سَفينَةٍ، وَكانَ نادِرٌ يُراقِبُ الرَّجُلَ بِاهْتِمامٍ شَديدٍ، كَأَنَّهُ يُريدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ كَيْفَ تُصْلَحُ المَصابيحُ.
وَوَقَفَتْ لَيَانُ قُرْبَ هُدى، تَرْفَعانِ رَأْسَيْهِما نَحْوَ الزُّجاجِ المُغَبَّرِ، بَيْنَما كانَ يَزَنُ واقِفًا بِجانِبِ مَرْيَمَ يُتابِعُ كُلَّ حَرَكَةٍ.

أَمّا عُمَرُ، فَوَقَفَ بِهُدُوءٍ.
صَعِدَ الرَّجُلُ السُّلَّمَ، وَنَظَّفَ الزُّجاجَ، وَفَحَصَ الأَسْلاكَ،
وَاسْتَبْدَلَ الجُزْءَ التّالِفَ، ثُمَّ أَعادَ كُلَّ شَيْءٍ إِلى مَكانِهِ.
وَعِنْدَ الغُروبِ، أَضاءَ المِصْباحُ مِنْ جَديدٍ.
لَمْ يَكُنْ نُورُهُ قَوِيًّا جِدًّا، لَكِنَّهُ كانَ دافِئًا،
هذا النُّورَ أَشَعَّ عَلى البابِ الأَزْرَقِ، وَعَلى حِجارَةِ الزُّقاقِ، وَعَلى وُجُوهِ الأَطْفالِ،
حَتّى بَدا آخِرُ الزُّقاقِ وكَأَنَّهُ اسْتَيْقَظَ مِنْ بَعْدَ سُباتٍ طَويلٍ.
صَفَّقَ طارِقٌ.
وَضَحِكَتْ لَيَانُ.
وَقالَ يَزَنُ بِصَوْتٍ صَغيرٍ:
"الآنَ صارَ الزُّقاقُ أَدْفَأَ."
اِبْتَسَمَتْ مَرْيَمُ، وَوَضَعَتْ يَدَها عَلى كَتِفِهِ.
أَمّا عُمَرُ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلى المِصْباحِ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
كانَ يَشْعُرُ أَنَّ النُّورَ لَمْ يَعُدْ فَوْقَ البابِ فَقَطْ، كانَ هُناكَ نُورٌ في داخِلِهِ هُوَ الآخَرُ.

وبَعْدَ قَليلٍ، دَخَلَتْ أَمِينَةُ إِلى المَكْتَبَةِ، ثُمَّ عادَتْ تَحْمِلُ في يَدِها الكِتابَ الأَخْضَرَ.
كِتابَ السَّفينَةِ وَالبَحْرِ اللّامِعِ، ثُمَّ قَدَّمَتهُ لِعُمَرَ.
ارْتَبَكَ عُمَرُ وَقالَ بِسُرْعَةٍ: "لَكِنِّي لَمْ أَدْفَعْ ثَمَنَهُ!"
ابْتَسَمَتْ أَمِينَةُ وَقالَتْ:
"أَعْرِفُ، هٰذا لَيْسَ بَيْعًا، هٰذِهِ مُجَرَّدُ هَدِيَّةٌ بَسِيطةٍ
لِوَلَدٍ تَعَلَّمَ أَنَّ ما نُحِبُّهُ لِأَنْفُسِنا جَميلٌ،
لَكِنَّ الأَجْمَلَ أَنْ نُحافِظَ عَلى النُّورَ الَّذي يَنْتَفِعُ بِهِ الجَميعُ".
أَخَذَ عُمَرُ الكِتابَ، وغَمَرتهُ السّعادَةُ حينَها.
لَم تَكُن سَعادَتَهُ مِثْلَ الفَرَحِ المُؤَقَّتِ الَّذي يَشْعُرُ بِهِ الطِّفْلُ عِنْدَما يَحْصُلُ عَلى شَيْءٍ كانَ يُريدُهُ بِشِدّة،
بَلْ كانَتْ سَعادَةً أَعْمَقَ مِن ذَلِكَ بِكَثِير.
كَأَنَّها فَرحَةٌ دائِمَةٌ تَسْتَقِرُّ في القَلْبِ، لا تَمُرُّ بِهِ ثُمَّ تَرْحَلُ.
في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسَ عُمَرُ عِنْدَ النّافِذَةِ يَقْرَأُ الكِتابَ الأَخْضَرَ.
وَكانَ كُلَّما رَفَعَ رَأْسَهُ، رَأى ضَوْءَ المِصْباحِ في آخِرِ الزُّقاقِ.
كانَ الضَّوْءُ خافِتًا، لَكِنَّهُ رَغمَ ذَلِكَ كانَ يَمْلَأُ المَكان.
وَكُلَّما رَآهُ عُمَرُ، شَعَرَ أَنَّ نُورًا يَمْلَأُ قَلبِهُ هَو الآخَر.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْمِ، كُلَّما مَرَّ عُمَرُ بِجِوارِ المِصْباحِ،
تَذَكَّرَ أَنَّ الخَيْرَ لا يَكونُ دائِمًا في أَنْ نَمْتَلِكَ ما نُحِبُّ،

بَلْ أَحْيانًا في أَنْ نَتْرُكَ أَثَرًا صَغيرًا قَدْ يَجلِبُ لِلْجَمِيعِ نُورًا أَكْبَرَ بِكَثير مِمّا نَتَخَيَّلُ.
اقرأ قصة أخرى ←