حِكاياتُ القُلوبِ الصَّغيرة

حكايات عربية للأطفال، تُقرأ بالقلب وتبقى في الذاكرة

الصَّبِيُّ الَّذِي أَرادَ أَنْ يَهابَهُ الجَميعُ

الصَّبِيُّ الَّذِي أَرادَ أَنْ يَهابَهُ الجَميعُ

فِي الحَيِّ نَفْسِهِ الَّذي كانَ الأَطْفالُ يَجْتَمِعونَ فيهِ بَعْدَ المَدْرَسَةِ،

فِي المَرْكَزِ الصَّغيرِ ذي البابِ المَعْدِنِيِّ الأَزْرَقِ

المُقابِلِ لِلمَخْبَزِ القَديمِ،

 كانَ هُناكَ صَبِيٌّ اسْمُهُ طارِقٌ.

كانَ طارِقٌ فِي الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ.

لَمْ يَكُنْ أَطْوَلَ الأَوْلادِ، وَلَا أَقْواهُمْ، لَكِنَّهُ كانَ سَريعَ البَديهَةِ،

خَفيفَ الرُّوحِ، يَعْرِفُ كَيْفَ يَجْعَلُ مَنْ حَوْلَهُ يَضْحَكونَ.

فِي المَرْكَزِ، كانَ يَجْعَلُ العُصْفورَ الوَرَقِيَّ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ مُضْحِكٍ،

وَفِي الزُّقاقِ كانَ يَسْتَطيعُ أَنْ يُحَوِّلَ حادِثَةً صَغيرَةً

إِلى حِكايَةٍ تَجْعَلُ الأَوْلادَ يَضْحَكونَ طَويلًا.

وَكانَ الجَميعُ يَقولونَ: "طارِقٌ مُضْحِكٌ."

"طارِقٌ لا يَسْكُتُ."

"طارِقٌ يَعْرِفُ كَيْفَ يُخَفِّفُ عَنِ النّاسِ."

وَكانَ هذا صَحيحًا.

لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنِ الحَقيقَةَ كُلَّها.

فَمُنْذُ أَنْ تُوُفِّيَ أَبوهُ وَهُوَ صَغيرٌ،

كانَ هُناكَ شَيْءٌ فِي داخِلِ طارِقٍ لا يَعْرِفُ كَيْفَ يُسَمِّيهِ.

شُعورٌ يُشْبِهُ أَنْ يَقِفَ الإِنْسانُ فِي الدُّنْيا مِنْ دونِ جِدارٍ يَسْنُدُهُ مِنَ الخَلْفِ.

وَفِي المَدْرَسَةِ وَالزُّقاقِ، كانَ بَعْضُ الأَوْلادِ يَعْرِفونَ كَيْفَ يَبْحَثونَ عَنْ أَصْغَرِ شَيْءٍ لِيَجْعَلوا مِنْهُ سَبَبًا لِلسُّخْرِيَةِ.

حِذاءٌ قَديمٌ.

قَميصٌ باهِتٌ.

كَلِمَةٌ خَرَجَتْ بِطَريقَةٍ غَريبَةٍ. أَوْ وَجْهٌ احْمَرَّ مِنَ الخَجَلِ.

وَقَدْ تَعَلَّمَ طارِقٌ، مَعَ الوَقْتِ، طَريقَةً خاصَّةً لِيَحْميَ نَفْسَهُ.

فَإِذا شَعَرَ أَنَّ أَحَدًا سَيَضْحَكُ عَلَيْهِ، حاوَلَ هُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ يَضْحَكُ أَوَّلًا.

وَإِذا قالَ أَحَدٌ عَنْهُ شَيْئًا جارِحًا، رَدَّ عَلَيْهِ بِنُكْتَةٍ.

وَإِذا تَأَلَّمَ، ضَحِكَ أَحْيانًا قَبْلَ أَنْ يَلْحَظَ أَحَدٌ أَنَّهُ تَأَلَّمَ.

فَصارَ الضَّحِكُ عِنْدَ طارِقٍ لَيْسَ لُعْبَةً فَقَطْ.

صارَ دِرْعًا.

وَلَكِنَّ الدِّرْعَ لا يَمْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ.

وَكانَ بِداخِلِ طارِقٍ خَوْفٌ قَديمٌ

مِنْ أَنْ يَكونَ هُوَ الطِّفْلَ الَّذي يَسْتَطيعُ الآخَرونَ أَنْ يُهِينوهُ،

ثُمَّ يَمْضوا وكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ.

وَشَيْئًا فَشَيْئًا، بَدَأَتْ تَكْبُرُ فِيهِ فِكْرَةٌ قاسِيَةٌ:

إِذا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَشْعُرَ بِالأَمانِ،

فَرُبَّما يَجِبُ أَنْ أُصْبِحَ شَخْصًا يَخْشاهُ الآخَرونَ.

وَكانَ فِي الحَيِّ فَتًى أَكْبَرُ مِنْهُ اسْمُهُ قاهِرٌ.

كانَ قاهِرٌ يَمْشي وكَأَنَّ الأَرْضَ مِلْكٌ لَهُ.

كانَ صَوْتُهُ خَشِنًا، وَنَظَراتُهُ حادَّةً،

وَكانَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَقِفُ أَمامَ مَنْ هُمْ أَصْغَرُ مِنْهُ

حَتّى يَشْعُروا أَنَّهُ أَكْبَرُ

مِمّا هُوَ عَلَيْهِ.

وَكانَ بَعْضُ الأَوْلادِ الأَصْغَرِ يَتْبَعونَهُ.

ليسَ لِأَنَّهُ طَيِّبٌ، وَلا لِأَنَّهُ يَحْتَرِمُهُمْ، بَلْ لِأَنَّهُمْ كانُوا يَخافونَ مِنهُ.

وَكانَ قاهِرٌ يُحِبُّ هذا الخَوْفَ.

كانَ بَعْضُ النّاسِ يَصِفونَهُ بِالقُوَّةِ.

وَبَعْضُ الأَوْلادِ يَظُنّونَ أَنَّهُ شُجاعٌ.

لَكِنَّ الحَقيقَةَ أَنَّ قاهِرًا لَمْ يَكُنْ يَخْتارُ أَبَدًا مَنْ هُمْ فِي حَجْمِهِ أَوْ قُوَّتِهِ.

كانَ يُفَضِّلُ الخَجولَ، وَالصَّغيرَ.

وَالَّذي يَعْرِفُ مُسبَقًا أَنَّهُ سَيَبْقى لِوَحْدَهُ إِذا بَدَأَتِ المُشْكِلَةُ.

وَكانَ يُحِبُّ أَنْ يُقَسِّمَ الأَطْفالَ إِلى فِئَتَيْنِ.

فَيُشيرُ إِلى بَعْضِهِمْ وَيَقول: "هٰؤُلاءِ لَهُمْ قِيمَةٌ."

ثُمَّ يَنْظُرُ إِلى آخَرينَ بِاِبْتِسامَةٍ بارِدَةٍ وَيَقولُ:

"أَمّا هٰؤُلاءِ، فَهُمْ لا شَيْءَ."

كانَ طارِقٌ يَكْرَهُ تِلْكَ الجُمْلَةَ.

وَمَعَ ذلِكَ، كانَ هُناكَ شَيْءٌ فِي داخِلِهِ يَنْجَذِبُ إِلى ما يَراهُ فِي قاهِرٍ.

فَحِينَ يَدْخُلُ قاهِرٌ، يَسْكُتُ بَعْضُ الأَوْلادِ.

وَحِينَ يَنْظُرُ إِلى أَحَدٍ، يَتَراجَعُ ذلِكَ الشَّخْصُ خُطْوَةً.

وَحِينَ يَتَكَلَّمُ، يَسْتَمِعُ النّاسُ.

وَكانَ طارِقٌ الَّذي تَعِبَ مِنَ الإِهانَةِ يَتَساءَلُ أَحْيانًا:

أَهٰذِهِ هِيَ القُوَّةُ؟

وفِي أَحَدِ الأَيّامِ، اجْتَمَعَ الأَطْفالُ فِي المَرْكَزِ بَعْدَ المَدْرَسَةِ.

وَكانَتِ الآنِسَةُ لَطيفَةُ قَدْ أَعَدَّتْ لَهُمْ أَوْراقًا وَأَقْلامَ تَلْوينٍ.

وكانَ يَأْتي إِلى المَرْكَزِ شابّانِ مُتَطَوِّعانِ

مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَ مَرّاتٍ فِي الأُسْبوعِ لِيُساعِدا الآنِسَةَ لَطيفَةَ

فِي النَّشاطاتِ وَتَرْتيبِ الكُتُبِ وَاللَّعِبِ مَعَ الأَطْفالِ،

وَمُساعَدَتِهِمْ فِي الواجِباتِ المَدْرَسِيَّةِ.

وكانا مَوْجودَيْنِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ.

قالَتِ الآنِسَةُ لَطيفَةُ لِلأَطْفالِ:

"أُريدُ مِنْ كُلِّ واحِدٍ مِنْكُمْ أَنْ يَرْسُمَ الشَّخْصَ

الَّذي يَتَمَنّى أَنْ يُصْبِحَ مِثْلَهُ حِينَ يَكْبَرُ."

فَرَسَمَ أحَدُ الأطْفالِ مُعَلِّمًا.

وَرَسَمَ آخَرُ لاعِبَ كُرَةِ قَدَمٍ.

وَرَسَمَتْ إحْدى الفَتياتِ مُمرِّضَةً.

وَرَسَمَ طِفْلٌ آخَرُ خَبّازًا يَحْمِلُ أَرْغِفَةَ الخُبْزِ.

أمّا طارِقٌ، الَّذي عادَةً ما يَكونُ أَوَّلَ مَنْ يُعَلِّقُ أَوْ يَمْزَحُ،

فَكانَ صامِتًا.

أَخَذَ قَلَمًا أَسْوَدَ،

وَرَسَمَ شَخْصًا طَويلًا جِدًّا، يَرْتَدي مِعْطَفًا طَويلًا وَحِذاءً ثَقيلًا.

لَمْ يَرْسُمْ لَهُ وَجْهًا واضِحًا.

رَسَمَ مَكانَ الوَجْهِ ظِلًّا داكِنًا.

أَمّا النّاسُ مِنْ حَوْلِهِ، فَرَسَمَهُمْ صِغارًا جِدًّا.

مَرَّتِ الآنِسَةُ لَطيفَةُ بِجانِبِ طاوِلَتِهِ.

تَوَقَّفَتْ، ونَظَرَتْ إِلى الرَّسْمة.

ثُمَّ سَأَلَتْهُ بِهُدوءٍ: "مَنْ هٰذا يا طارِقُ؟"

هَزَّ كَتِفَيْهِ قائِلًا: "لا أَدْري."

لَكِنَّهُ كانَ يَعْرِفُ.

فَهوَ لَمْ يرَسُمْ إِنْسانًا حَقيقيًّا.

بَلْ رَسَمَ شُعورًا

شُعورَ أَنْ يَدْخُلَ مَكانًا فَلا يَسْخَرُ مِنْهُ أَحَدٌ.

أَنْ لا يَدْفَعَهُ أَحَدٌ.

أَنْ لا يَجْرُؤَ أَحَدٌ عَلى جَرْحِهِ.

أَنْ يَكونَ هُوَ الشَّخْصَ الَّذي يَخافُهُ الآخَرونَ،

لا الشَّخْصَ الَّذي يَخافُ مِنهُ.

نَظَرَتِ الآنِسَةُ لَطيفَةُ إِلَيْهِ قَليلًا.

وَكَأَنَّها فَهِمَتْ أَنَّ فِي الرَّسْمِ شَيْئًا لا يُريدُ طارِقٌ أَنْ يَقولَهُ.

لَكِنَّها لَمْ تَضْغَطْ عَلَيْهِ.

وعِنْدَ الغُروبِ بَدَأَ الأَطْفالُ يَغادِرونَ المَرْكَزَ.

كانَ البَابُ المَعْدِنِيُّ الأَزْرَقُ مَفْتوحًا،

وَكانَ ضَوْءُ الشَّمْسِ الأَخيرُ يَمتَدُّ عَلى حِجارَةِ الزُّقاقِ.

وَقَفَ قاهِرٌ قُرْبَ البابِ، وَمَعَهُ وَلَدانِ أَكْبَرُ مِنْ أَطْفالِ المَرْكَزِ قَليلًا.

وَكانَ هُناكَ أَيْضًا طِفْلٌ صَغيرٌ اسْمُهُ سامي.

كانَ سامي فِي السّابِعَةِ أَوِ الثّامِنَةِ مِنْ عُمْرِهِ، وَكانَ يَأْتي إِلى المَرْكَزِ مُنْذُ مُدَّةٍ قَصيرَةٍ.

كانَ طِفْلًا هادِئًا، خَجولًا، وَكانَ يُعاني مِنَ التَّلَعْثُمِ.

أَحْيانًا تَخْرُجُ الكَلِمَةُ مِنْ فَمِهِ بِسُهولَةٍ.

وَأَحْيانًا تَتَعَلَّقُ فِي حَلْقِهِ،

فَيُعيدُ الحَرْفَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَثانِيَةً وَثالِثَةً قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ.

وَحينَ يَتَوَتَّرُ أَوْ يَخافُ، كانَ التَّلَعْثُمُ يَزْدادُ.

وَفِي ذلِكَ المَساءِ، كانَ سامي يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ طائِرًا وَرَقِيًّا مَصْنوعًا مِنْ صَفْحَةٍ قَديمَةٍ مِنْ مَجَلَّةٍ.

لَمْ يَكُنِ الطَّائِرُ مُتْقَنًا جِدًّا. كانَ أَحَدُ جَناحَيْهِ أَكْبَرَ قَليلًا مِنَ الآخَرِ، وَكانَ الوَرَقُ قَدْ بَدَأَ يَلينُ مِنْ كَثْرَةِ ما حَمَلَهُ

سامي بَيْنَ يَدَيْهِ.

لَكِنَّهُ كانَ يَحْمِلُهُ كَأَنَّهُ شَيْءٌ ثَمينٌ جِدًّا.

رَآهُ قاهِرٌ، فَقالَ بِسُخْرِيَةٍ:
"ما هٰذا؟"
نَظَرَ سامي إِلَيْهِ قائِلًا بِتَلَعثُم: "ط... ط... طائِرٌ."
ضَحِكَ قاهِرٌ وَقال: "أَرى أَنَّهُ طائِرٌ وَرَقيّ لِماذا تَحْمِلُهُ كَأَنَّهُ كَنْزٌ؟"
شَدَّ سامي أَصابِعَهُ حَوْلَ الطَّائِرِ قائِلًا: "لِأَنَّ أُخْ... أُخْتي صَنَعَتْهُ لي."
قالَ قاهِرٌ:"وَماذا يَعني ذلِكَ؟"
انْخَفَضَ صَوْتُ سامي حين أجاب:
"لقد صَنَعَتْهُ لي عِندَما كانَتْ مَريضةً."
سَكَتَ قَليلًا، ثُمَّ قالَ: كانَت تُعاني مِنْ مَرَضِ السَّرَطانُ."
تَوَقَّفَتِ الكَلِماتُ فِي فَمِهِ لَحْظَةً.
ثُمَّ أَكْمَلَ: "وَبَعْدَها... م... ماتَتْ."

تَغَيَّرَ الجَوُّ حَوْلَهُمْ.
حَتّى الوَلَدانِ الواقِفانِ إِلى جانِبِ قاهِرٍ تَوَقَّفا عَنِ الابْتِسامِ.
كانَ يُمْكِنُ لِقاهِرٍ أَنْ يَتَوَقَّفَ.
كانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقولَ شَيْئًا آخَرَ.
أَوْ أَلّا يَقولَ شَيْئًا أَصْلًا.
لَكِنَّهُ مَدَّ يَدَهُ وَخَطَفَ الطَّائِرَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ سامي.
قالَ: "وهَلْ يَعْرِفُ الطَّيَرانَ؟"، ثُمَّ رَفَعَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ.

مَدَّ سامي ذِراعَيْهِ نَحْوَهُ وقال مُتلَعثِمًا:
أَرْ... أَرْجوكَ. أَرْجوكَ، ل... لا!"
وَقَفَ طارِقٌ عَلى بُعْدِ خُطْوَتَيْنِ.
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وَفِي داخِلِهِ كانَ هُناكَ صَوْتانِ.
قالَ الأَوَّلُ: تَكَلَّمْ.
وَقالَ الآخَرُ: لا تَفْعَلْ.
إِذا أَحَبَّكَ قاهِرٌ، فَرُبَّما لَنْ يَضْحَكَ عَلَيْكَ أَحَدٌ بَعْدَ اليَوْمِ.
رُبَّما لَنْ يَدْفَعَكَ أَحَدٌ.
رُبَّما تَكونُ مِنْهُمْ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَكونَ ضِدَّهُمْ.
الْتَفَتَ قاهِرٌ إِلى طارِقٍ.
كانَ فِي نَظْرَتِهِ سُؤالٌ واضِحٌ.
كَأَنَّهُ يَقولُ: أَلَنْ تَضْحَكَ؟
وَكانَ طارِقٌ، مِنْ بَيْنِ جَميعِ الأَوْلادِ، يَعْرِفُ الضَّحِكَ.
يَعْرِفُ كَيْفَ يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الإِنْسانِ حِينَ يَكونُ فَرِحًا.
وَيَعْرِفُ أَيْضًا كَيْفَ يَخْرُجُ حِينَ يُحاوِلُ الإِنْسانُ أَنْ يُخْفيَ
خَوْفَهُ، وَيَعْرِفُ الضَّحِكَ الَّذي يُدْخِلُ طِفْلًا إِلى الدّائِرَةِ.
وَالضَّحِكَ الَّذي يَدْفَعُهُ خارِجَها.
هٰذِهِ المَرَّةَ، لَمْ يَضْحَكْ.
فَابْتَسَمَ قاهِرٌ اِبْتِسامَةً بارِدَةً.
ثُمَّ أَمْسَكَ أَحَدَ جَناحَيِ الطَّائِرِ وَمَزَّقَهُ.
كانَ الصَّوْتُ صَغيرًا جِدًّا.
شَرْخٌ خَفيفٌ فِي وَرَقٍ قَديمٍ.
لَكِنَّ سامي أَطْلَقَ صَوْتًا ظَلَّ طارِقٌ يَتَذَكَّرُهُ بَعْدَ ذلِكَ طَويلًا.
لَمْ يَكُنْ صُراخًا، وَلا عَويلًا.
كانَ صَوْتًا مَكْسورًا.
صَوْتَ طِفْلٍ كانَ يَحْمِلُ شَيْئًا صَغيرًا يُبْقي جُزْءًا مِنْ أُخْتِهِ قَريبًا مِنْهُ، فَجاءَ شَخْصٌ وَمَزَّقَهُ لِأَنَّهُ يَسْتَطيعُ.
هَوَى سامي إِلى رُكْبَتَيْهِ.

أَخَذَ الطَّائِرَ مِنَ الأَرْضِ بِجَناحِهِ المُمَزَّقِ.
وَبَدَأَتْ يَداهُ تَرْتَجِفانِ.
قالَ: لِ... لِماذا؟"
ضَحِكَ قاهِرٌ مَرَّةً أُخْرى.
لَكِنَّ ضَحِكَتَهُ بَدَتْ هذِهِ المَرَّةَ فارِغَةً.
ثُمَّ نَظَرَ إِلى طارِقٍ وَقالَ: "وَأَنْتَ؟ ما بِكَ؟"
وَأَضافَ: "أَلَنْ تَكونَ واحِدًا مِنّا؟"
نَظَرَ طارِقٌ إِلى قاهِرٍ.
ثُمَّ إِلى الوَلَدَيْنِ الواقِفَيْنِ إِلى جانِبِهِ.
ثُمَّ إِلى سامي، المُنْكَمِشِ عَلى الأَرْضِ،
وَهُوَ يَضُمُّ الطَّائِرَ إِلى صَدْرِهِ.
وَفَجْأَةً، رَأَى طارِقٌ شَيْئًا لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ.
لَمْ يَبْدُ قاهِرٌ قَوِيًّا.
بَدَا جائِعًا.
جائِعًا إِلى شَخْصٍ أَصْغَرَ مِنْهُ.
جائِعًا إِلى شَخْصٍ أَضْعَفَ مِنْهُ.
جائِعًا إِلى وَجْهٍ يَدوسُهُ بِقَدَمِهِ كَيْ يَشْعُرَ أَنَّهُ أَطْوَلُ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فَهِمَ طارِقٌ شَيْئًا بِوُضوحٍ شَديدٍ:
القَسْوَةُ لَيْسَتْ قُوَّةً.
القَسْوَةُ قَدْ تَكونُ ثَوْبَ الضَّعْفِ حِينَ يَتَنَكَّرُ فِي هَيْئَةِ القُوَّةِ.
انْحَنى طارِقٌ، والْتَقَطَ الجَناحَ المُمَزَّقَ مِنَ الأَرْضِ.
ثُمَّ وَقَفَ.
كانَ قَلْبُهُ يَدُقُّ بِسُرْعَةٍ.
وَكانَ صَوْتُهُ يَرْتَجِفُ حِينَ قالَ: "أَنْتَ لَمْ تَكْسِرْ لُعْبَةً."
اخْتَفَتِ اِبْتِسامَةُ قاهِرٍ قَليلًا.
أَكْمَلَ طارِقٌ: "لَقَد مَزَّقْتَ شَيْئًا كانَ يُحِبُّهُ،
فَقَطْ لِأَنَّكَ عَرَفْتَ أَنَّهُ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَمْنَعَكَ."

سادَ الصَّمْتُ.
تَقَدَّمَ قاهِرٌ خُطْوَةً والغضبُ يملأُ عَينَيهِ قائِلًا:
"أَأَنْتَ تُكَلِّمُني بِهٰذِهِ الطَّريقَةِ؟"
كانَ طارِقٌ خائِفًا، خائِفًا حَقًّا.
شَعَرَ بِساقَيْهِ تُريدانِ أَنْ تَتَراجَعا.
وَبِمَعِدَتِهِ تَنْقَبِضُ.
وَبِذلِكَ الخَوْفِ القَديمِ يَعودُ إِلَيْهِ مَرَّةً واحِدَةً.
وَلَكِنَّهُ قالَ: "نَعَمْ."
دَفَعَهُ قاهِرٌ بِقُوَّةٍ.

تَعَثَّرَ طارِقٌ إِلى الخَلْفِ.
وَخلالَ لَحْظَةً واحِدَةً، شَعَرَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ داخِلَهُ يُريدُ أَنْ يَرْكُضَ.
ثُمَّ سَمِعَ خَلْفَهُ وَقْعَ أَقْدامٍ سَريعَةٍ.
كانَتِ الآنِسَةُ لَطيفَةُ قَدْ سَمِعَتِ الفوضى مِنْ داخِلِ المَرْكَزِ.
وَخَرَجَتْ، وَخَرَجَ مَعَها أَحَدُ الشّابَّيْنِ المُتَطَوِّعَيْنِ.
ثُمَّ لَحِقَ بِهِما المُتَطَوِّعُ الآخَرُ.
تَوَقَّفَ قاهِرٌ،
وَفَجْأَةً، تَغَيَّرَ شَكْلُ المَشْهَدِ كُلِّهِ.
قاهِرٌ، الَّذي كانَ يَبْدو عِمْلاقًا حِينَ يَقِفُ فَوْقَ طِفْلٍ صَغيرٍ مُرْتَعِبٍ،
لَمْ يَبْدُ عِمْلاقًا الآنَ.
قالَتِ الآنِسَةُ لَطيفَةُ بِصَوْتٍ هادِئٍ، لَكِنَّهُ حازِمٌ:
"ابْتَعِدْ عَنْهُمْ يا قاهِرُ."

حاوَلَ قاهِرٌ أَنْ يَبْتَسِمَ.
لَكِنَّ الابْتِسامَةَ لَمْ تَبْقَ عَلى وَجْهِهِ طَويلًا.
نَظَرَ إِلى الشّابَّيْنِ المُتَطَوِّعَيْنِ.
ثُمَّ خَفَضَ عَيْنَيْهِ.
تَمْتَمَ بِكَلِمَةٍ قَبيحَةٍ، ثُمَّ وَاسْتَدارَ وَمَضى.
وَمَضى الوَلَدانِ الآخَرانِ وَراءَهُ.
جَثَتِ الآنِسَةُ لَطيفَةُ قُرْبَ سامي وقالَتْ:
"سامي، اُنْظُرْ إِلَيَّ، هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟"
حاوَلَ أَنْ يُجيبَ.
"أَ... أَنا..."
تَوَقَّفَ.
انْتَظَرَتْ.
لَمْ تَسْتَعْجِلْهُ.
أَخَذَ نَفَسًا.
ثُمَّ قالَ": أَنا بِخَيْرٍ."
لَكِنَّ الدُّموعَ كانَتْ عَلى وَجْهِهِ.
كانَ طارِقٌ واقِفًا قَريبًا، وَصَدْرُهُ يَؤْلِمُهُ مِنَ الدَّفْعَةِ.
نَظَرَ إِلى الجَناحِ المُمَزَّقِ فِي يَدِهِ.
ثُمَّ أَعْطاهُ لِسامي.
أَخَذَهُ سامي بِعِنايَةٍ.
قالَ طارِقٌ: "رُبَّما نَسْتَطيعُ إِصْلاحَهُ."
هَزَّ سامي رَأْسَهُ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ طارِقٌ بِشَيْءٍ غَريبٍ.
لَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ صارَ أَقْوَى لِأَنَّهُ أَخافَ أَحَدًا.
وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ صارَ أَكْبَرَ لِأَنَّ شَخْصًا أَصْغَرَ صارَ أَصْغَرَ مِنْهُ.
بَلْ شَعَرَ أَنَّهُ، وَلِلمَرَّةِ الأُولى مُنْذُ مُدَّةٍ طَويلَةٍ،
وَقَفَ فِي مَكانٍ يَحْتَرِمُ فيهِ نَفْسَهُ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ يَنَمْ طارِقٌ بِسُهولَةٍ.
كانَ يَتَقَلَّبُ فِي فِراشِهِ.

وَكانَ يَشْعُرُ أَنَّ دَفْعَةَ قاهِرٍ ما زالَتْ فِي صَدْرِهِ.
وَظَلَّ يَسْأَلُ نَفْسَهُ:
هَلْ كُنْتُ أَحْمَقَ؟
هَلْ كانَ عَلَيَّ أَنْ أَسْكُتَ؟
ماذا سَيَفْعَلُ قاهِرٌ بَعْدَ اليَوْمِ؟
لَكِنَّهُ كُلَّما أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، رَأَى سامي مُلقىً عَلى الأَرْضِ.
وَرَأَى الطَّائِرَ المُمَزَّقَ، وَتَذَكَّرَ شَيْئًا آخَرَ.
كانَ طارِقٌ يَظُنُّ أَنَّ نَقيضَ الخَوْفِ هُوَ أَلّا يَخافَ الإِنْسانُ
أَبَدًا.
وَأَنَّ نَقيضَ الإِهانَةِ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ الآخَرينَ يَخافونَ مِنْهُ.
لَكِنَّهُ بَدَأَ يَفْهَمُ أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَذلِكَ.
فَقَدْ يَكونُ الإِنْسانُ خائِفًا...
وَمَعَ ذلِكَ يَقِفُ.
وَقَدْ يَرْتَجِفُ صَوْتُهُ...
وَمَعَ ذلِكَ يَقولُ "لا."
وَفي صَبِيحَةِ اليَوْمِ التّالي، طُرِقَ بابُ بَيْتِ طارِقٍ.
فَتَحَ البابَ.
كانَ سامي واقِفًا هُناكَ.
وَكانَ يَحْمِلُ فِي يَده الطَّائِرَ الوَرَقِيَّ القَديمَ.
كانَتْ أُمُّهُ قَدْ أَصْلَحَتْ جَناحَهُ بِعِنايَةٍ.
كانَ الجَناحُ لا يَزالُ مائِلًا قَليلًا، وَكانَ مَكانُ التَّمَزُّقِ واضِحًا.
لَكِنَّهُ عادَ طائِرًا كامِلًا.

قالَ سامي: "أُمِّي أَ... أَصْلَحَتْهُ."
نَظَرَ طارِقٌ إِلَيْهِ.
قالَ سامي: "قالَتْ إِنَّ بَعْضَ الأَشْياءِ إِذا انْكَسَرَتْ، فقَد يكونُ بإمكانِنا أن نُصْلِحُها.
"تَوَقَّفَ عِنْدَ الكَلِمَةِ التّالِيَةِ قَليلًا.
ثُمَّ أَكْمَلَ: "لَكِنَّها لَن تَرجِعَ كَما كانَتْ."
ابْتَسَمَ اِبْتِسامَةً صَغيرَةً، وقال: "قَدْ تِرْجَعْ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ."

ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ الأُخْرى.
كانَ فِيها طائِرٌ وَرَقِيٌّ آخَرُ، أَصْغَرُ وَأَقَلُّ اِسْتِقامَةً.
وَكانَ أَحَدُ جَناحَيْهِ أَعْلى قَليلًا مِنَ الآخَرِ.
قالَ سامي: "وَهٰذا لَكَ."
نظَرَ طارِقٌ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ مُتَسائِلًا: "لِي أَنا؟"
هَزَّ سامي رَأْسَهُ قائِلًا: "صَنَعْتُهُ أَنا وَأُمِّي."
سَأَلَهُ طارِقٌ: "وَلِماذا تُعْطيني إِيّاهُ؟"
انْحَبَسَتِ الكَلِمَةُ فِي فَمِ سامي لَحْظَةً.
"لِأَنَّكَ..."
حاوَلَ مَرَّةً أُخْرى.
لِأَنَّكَ لَم... تَتْرُكْني وَحْدي."

سَكَتَ طارِقٌ.
ثُمَّ أَخَذَ الطَّائِرَ بِكِلْتي يَدَيْهِ.
كانَ خَفيفًا جِدًّا.
قِطْعَةَ وَرَقٍ فَقَطْ.
وَلَكِنَّهُ شَعَرَ بِثِقَلِهِ فِي قَلْبِهِ.
وَبَعْدَ سَنَواتٍ، حِينَ كانَ طارِقٌ يَتَذَكَّرُ ذلِكَ اليَوْمَ،
لَمْ يَكُنْ يَتَذَكَّرُ وَجْهَ قاهِرٍ بِوُضوحٍ.
بَلْ كانَ يَتَذَكَّرُ الجَناحَ المُمَزَّقَ.
وَصَوْتَ سامي.
وَالصَّمْتَ الَّذي جاءَ بَعْدَهُ.
وَكانَ يَتَذَكَّرُ اللَّحْظَةَ الَّتي فَهِمَ فيها أَنَّ فِي العالَمِ نَوْعَيْنِ مِنَ القُوَّةِ:

قُوَّةً تَسْحَقُ ما هُوَ هَشٌّ لِتُثْبِتَ أَنَّها قَوِيَّةٌ.
وَقُوَّةً تَنْحَني لِتَحْميَ ما هُوَ هَشٌّ.
الأُولى صاخِبَةٌ، تَحتاجُ إِلى مَنْ يَخافُها، وَإِلى مَنْ يَصْغُرُ أَمامَها.
أَمّا الثّانِيَةُ، فَقَدْ لا تَرْفَعُ صَوْتَها. وَقَدْ تَرْتَجِفُ، وَقَدْ تَخافُ.
لَكِنَّها لا تَتْرُكُ الضَّعيفَ وَحْدَهُ.
وَمُنْذُ ذلِكَ اليَوْمِ، كُلَّما عادَ إِلى طارِقٍ ذلِكَ الجوعُ القَديمُ،
جوعُ أَنْ يُصْبِحَ مُخيفًا حَتّى لا يَجْرَحَهُ أَحَدٌ،
كانَ يَتَذَكَّرُ الطَّائِرَ الوَرَقِيَّ الصَّغيرَ.
وَيَتَذَكَّرُ: لَيْسَ نَقيضُ الإِهانَةِ أَنْ نَصيرَ قُساةً.
بَلْ نَقيضُ الإِهانَةِ هُوَ الكَرامَةُ.
وَلَيْسَ نَقيضُ الضَّعْفِ أَنْ نُضْعِفَ غَيْرَنا.
بَلْ أَنْ نَصيرَ مِنَ الَّذينَ، حَتّى وَهُمْ خائِفونَ، لا يَتْرُكونَ الأَضْعَفَ
وَحْدَهُ.